حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 329
قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) من الجاهلين. وقد قرئ به. والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه، أو من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، أو الذاهلين عما يؤول إليه الوكز لأنه أراد به التأديب، أو الناسين من قوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: 282]
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا حكمة وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) رد أولا بذلك ما وبخه به قدحا في نبوته، ثم كر على ما عد عليه من النعمة ولم يصرح برده لأنه كان صدقا غير قادح في دعواه بل نبه على أنه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببا عنها فقال:
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22) أي وتلك التربية نعمة تمن عليّ بها ظاهر أو هي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقصدهم بذبح أبناءهم فإنهم السبب في وقوعي إليك وحصولي في تربيتك.
وقيل: إنه مقدر بهمزة الإنكار أي أو تلك نعمة تمنها عليّ وهي «أَنْ عَبَّدْتَ» ومحل «أَنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الجاهلين) والحاصل: أنه عليه الصلاة والسّلام لم يرد بالضلال الكفران لأنه أراد به رد قوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ بل أراد به إما الجهل والسفه والمعنى: وإنا من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه من غير اتباع الوحي والدليل، وإما الخطأ في الفعل حيث قصد المنع والتأديب فضل ووقع منه القتل، وإما الدخول عما يؤول إليه الوكز من القتل.
وإما النسيان كما في قوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: 282] فإن الضلال فيه بمعنى النسيان لأن التذكر إنما يكون بعد النسيان. وخلاصة جوابه عليه الصلاة والسّلام على جميع التقادير: إن ما توبخني به وتعده عليّ ذنبا إنما فعلته على وجه لا يعاتب من فعله على ذلك الوجه فضلا عن أن يعد كافرا حقيقة أو كافرا للنعمة، فإنه كيف يعاتب من فعل فعلا برأيه على قصد الإصلاح والتأديب بل يستحق لأن يثني عليه ويستحسن فعله، وإن أدى إلى القتل والإهلاك. وقوله: «لأنه كان صدقا» لأن تربيته له أمر ظاهر معلوم لا يصح رده وإنكاره فكان غير قادح في دعواه لما تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، فلذلك لم يكن قول فرعون أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا نافعا له ولا ضارا لموسى فلذلك لم يصرح برده.
قوله: (وتلك التربية نعمة) إشارة إلى أن «تلك» مبتدأ أشير به إلى التربية المدلول عليها بقوله: أَلَمْ نُرَبِّكَ و «نعمة» خبره و «تمنها» على صفة «نعمة» و «أن عبدت» خبر مبتدأ محذوف أي وهي في الحقيقة تعبيدك قومي. أقر عليه الصلاة والسّلام بكون تلك التربية في صورة النعمة والإحسان، ثم أبطل كونها نعمة مسببة عن النقمة التي هي قهره بني إسرائيل بذبح أبنائهم، فإنه لو لم يفعل ذلك لتكفلت أمه بتربيته ولما قذفته في اليم حتى يصل إلى فرعون ويربى بتربيته فكيف يمتن عليه بما كان بلاؤه سببا له؟ يقال: عبدت فلانا وأعبدته