فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 351
مانعا عن اتباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه دليلا على بطلانه. وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر وبصيرة وإنما هو لتوقع مال ورفعة فلذلك
قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112) أنهم عملوه إخلاصا أو طمعا في طعمة و «ما» على الاعتبار الظاهر.
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي ما حسابهم على بواطنهم إلا على اللّه فإنه المطلع عليها لَوْ تَشْعُرُونَ (113) لعلمتم ذلك ولكنكم تجهلون فتقولون ما لا تعلمون.
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم وتوقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه. وقوله:
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) كالعلة له أي ما أنا إلا رجل مبعوث لإنذار المكلّفين عن الكفر والمعاصي سواء كانوا أعزاء أو أذلاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟ أو ما عليّ إلا إنذاركم إنذارا بينا بالبرهان الواضح ولا عليّ أن أطردهم لاسترضائكم
قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عما تقول لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) من المشتومين أو المضروبين بالحجارة
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) إظهارا لما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا تخويفهم له واستخفافهم عليه.
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا فاحكم بيني وبينهم من الفتاحة وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) من قصدهم أو شؤم عملهم
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) المملوء ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ بعد إنجائه الْباقِينَ (120) من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقلة جاههم ومالهم. قوله: (وإيمانهم) معطوف على اتباع المقلين ودليلا معطوف على مانعا أي وجعلوا إيمان المقلين دليلا على بطلان ما يدعوهم نوح إليهم. قوله: (وما علمي) الظاهر أن «ما» فيه استفهامية في محل الرفع على الابتداء و «علمي» خبره. ويجوز أن تكون نافية والباء متعلقة بعلمي على التقديرين وعلى الثاني لا بد من إضمار الخبر ليتم الكلام.
قوله: (إظهارا لما يدعو عليهم لأجله) يعني أن قوله: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ لم يقله نوح إفادة له تعالى بمضمون هذا الخبر ولا إعلاما بكونه عالما بمضمونه لعلمه أنه تعالى عالم الغيب والشهادة، ولكن أراد به أني لا أدعو عليهم لأجل تخويفهم إياي بالرجم واستخفافهم إياي بقولهم: أوَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ وإنما أدعو عليهم لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا أي فاقض واحكم بيني وبينهم قضاء وحكما، من الفتاحة وهي الحكومة والفتاح الحاكم سمي به لفتحه المنغلق من الأمر كما سمي فيصلا لفصله بين الخصومات، وأراد به الحكم بإنزال العقوبة لقوله عقيبه: وَنَجِّنِي ولو لا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى وقوله: تَعْبَثُونَ [الشعراء: 128] جملة حالية من فاعل «تبنون» والريع بكسر الراء وفتحها جمع ريعة وهي في اللغة المكان المرتفع وكانوا يبنون في المواضع المرتفعة من الطريق إعلاما طوالا ليهتدي