فهرس الكتاب

الصفحة 3679 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 361

وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ تقرير لحقية تلك القصص وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من اللّه عز وجل. والقلب إن أراد به الروح فذاك، وإن أراد به العضو فتخصيصه لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة. والروح الأمين جبرائيل فإنه أمين اللّه على وحيه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بتشديد الزاي ونصب «الروح» و «الأمين» لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) عما يؤدي إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم لم يكن لكفرهم وعنادهم بل كان بسبب قرانات الكواكب واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم، ومع قيام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص لأن الاعتبار إنما يحصل أن لو علمنا أن نزول هذا العذاب كان بسبب كفرهم وعنادهم. وعما يقال: إن اللّه تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين وابتلاء لهم على ما قال وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: 31] وقد ابتلى المؤمنون بأنواع البليات فلا يكون نزول العذاب على هؤلاء القوم دليلا على كونهم مبطلين مؤاخذين بذلك. ثم إنه تعالى لما ذكر قصص الأنبياء لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أتبعه بذكر ما يدل على نبوته فقال: وَإِنَّهُ أي وإن القرآن وما نزل من هذه القصص والآيات لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ أي المنزل على أن التنزيل بمعنى المنزل أو لذو تنزيل على حذف المضاف، وجاز عود ضمير «إنه» إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به. والقرآن المنزل لما كان مشتملا على القصص المذكورة والآيات الدالة عليها كانت هذه الآية تقريرا لحقية تلك القصص. والباء في بِهِ على القراءتين للتعدية أو للملابسة فعلى الأول تتعلق بنزل وعلى الثاني تتعلق بمحذوف على أنه حال. وقوله: عَلى قَلْبِكَ و (لنكون) متعلقان «بنزل» ويجوز أن يتعلقا «بتنزيل» والمعنى: وإنه لتنزيل رب العالمين على قلبك لتكون لكن فيه ضعف من حيث الفصل بين المصدر ومعموله بجملة نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ إلا أن هذه الجملة اعتراضية جيء بها للتأكيد فلم تكن أجنبية وأن مثل هذا مغتفر فيما إذا كان المعمول ظرفا أو عديله. وسمي جبريل روحا لكونه سببا لحياة قلوب المكلفين بنور المعرفة والطاعة من حيث إن الوحي الذي فيه الحياة من موت الجهالة يجري على يده. وقيل: سمي روحا لأنه روح وليس بجسم فيه روح وسمي أمينا لأنه مؤتمن على ما يؤديه إلى الأنبياء.

قوله: (والقلب إن أراد به الروح فذاك) إذ القرآن الملتبس بكسوة الحروف والألفاظ إنما أنزل على روح رسول اللّه لا على مجرد الجسد إذ ليس للجسد حظ من إدراك المعاني الروحانية، والقلب وسائر الأعضاء والحواس آلات الإدراك والمكلف والمخاطب والمدرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت