حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 362
عذاب من فعل أو ترك
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) واضح المعنى لئلا يقولوا: ما نصنع بما لا نفهمه، فهو متعلق «بنزل» . ويجوز أن يتعلق «بالمنذرين» أي لتكون ممن أنذروا بلغة العرب وهم هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد عليه الصلاة والسّلام.
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) وإن ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدمة
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً على صحة القرآن أو نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) أن يعرفوه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما هو الروح لا الأعضاء والآلات، إلا أنه يجوز أن يراد بالقلب العضو المخصوص كما هو المتبادر عند إطلاقه. فحينئذ يكون جعل القرآن نازلا على قلبه مع أنه نازل عليه لا على عضوه مبنيا على كون القلب موضعا لقوة العقل والفهم. فإن الروح إنما تدرك بتلك القوة المودعة في القلب فلا جرم تنتقل المعاني الروحانية النازلة على الروح إلى القلب لما بينهما من التعلق على الوجه المذكور. وذهب طائفة من القدماء إلى أن موضع قوة العقل والفهم هو الدماغ لا القلب استدلالا بأن طريان الآفة على الدماغ يوجب اختلال العقل، وبأن الحواس التي هي آلات الإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب. فأشار المصنف إلى أن الدماغ محل القوى الباطنة التي يستعين بها الروح في إدراك المعاني فلذلك كان سلامة الدماغ شرطا لسلامة القلب وظهور آثاره، فالقرآن كلام اللّه تعالى وصفته القائمة به كساه كسوة الألفاظ المركبة من الحروف العربية ونزله إلى جبريل وجعله أمينا عليه لئلا يتصرف في حقائقه، ثم نزل به كما هو على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليتعرفه ويتخلق بخلقه ويتنور بأنواره ويتخلى بحقائقه، ففهمه وتمكن من تفهيمه لغيره فهو عليه أفضل الصلاة والسّلام مختص بهذه الرتبة العلية والكرامة السنية من سائر الأنبياء فإن كتبهم أنزلت عليهم بالألواح والصحائف جملة واحدة فهي منزلة على صورهم وظاهرهم لا على قلوبهم. قوله: (فهو متعلق بنزل) فيكون صريحا في أن القرآن إنما أنزل عليه عربيا كما في آية أخرى إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: 2] لا كما زعمت الباطنية من أنه تعالى أنزله على قلبه عليه أفضل الصلاة والسّلام غير موصوف بلغة ولسان، ثم إنه عليه أفضل الصلاة والسّلام أداه بلسان العرب المبين من غير أن أنزل كذلك. قوله: (وإن ذكره) لما كان ظاهر النظم يدل على أن عين القرآن العربي المبين مثبت في سائر الكتب السماوية وظاهر أنه ليس كذلك، لأن هذا فاسد مخالف للنص والإجماع احتيج إلى تقدير المضاف أي إن ذكر القرآن وإنزاله على النبي عليه أفضل الصلاة والسّلام المبعوث في آخر الزمان، أو أن أصل معانيه مثبت في كتبهم على معنى أنه تعالى أخبر في كتبهم عن القرآن وإنزاله في آخر الزمان، أو أنه تعالى بيّن أصول معانيه في كتبهم لا أن جميع ما فيه من الأحكام والأمثال مثبت فيها. وبه احتج أبو حنيفة في جواز القرآن بالفارسية في الصلاة وهذا كقوله: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى [الأعلى: 18] وقال مقاتل: