حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 369
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر اللّه ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على اللّه والحث على طاعته ولو قالوا: هجوا أرادوا به الانتصار ممن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلاف ما أخبر به؟ ولما بيّن حال الكهنة بأنهم كذابون كثيرو الإثم بخلافه عليه الصلاة والسّلام فإن حاله الدعوة إلى اللّه تعالى وطاعته والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا، بيّن ما يتميز به عن الشعراء فقال: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أي الضالون ثم بيّن غوايتهم بأمرين: الأول أنهم يهيمون ويذهبون في كل واد والثاني أنهم يقولون ما لا يفعلون، فإنهم يرغبون في الجود وينفرون عن البخل، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عنهم ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش وذلك تمام الغواية بخلافه عليه الصلاة والسّلام فإنه قد كان زكى نفسه الكريمة أولا ثم لم يدع أحدا من الناس إلا إلى ما هو راسخ أوحدي فيه فكيف تشبه حاله حال الشعراء؟ والنسيب مصدر قولك: نسب الشاعر بالمرأة ينسب بالكسر إذا ذكر صفات حسنها وذكر حاله معها في الشعر. والغزل اسم لمحادثة النساء ومراودتهن وعرض الاشتياق إليهن. والابتهار الاشتهار بحب واحدة من النساء يقال: ابتهر فلان بفلانة أي اشتهر بها ويقال أيضا على ادعاء الشيء كذبا. وحرم الرجل أهله وسكان حرمه من نحو زوجته وأمه وبنته. ثم إنه تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بيانا لما بينه عليه الصلاة والسّلام وبينهم من البون البعيد استثنى منهم شعراء المسلمين فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر اللّه تعالى ولم يجعلوا الشعر همتهم ومتجرهم. وقيل: المراد بإكثار ذكر اللّه تعالى أن يكون شعرهم في التوحيد والثناء على اللّه تعالى وفي النبوة ودعوة الخلق إلى الحق. ثم قال: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أي لا يذكرون هجوا إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم، ثم الشرط فيه ترك الاعتداء فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] عن أبي رواحة رضي اللّه عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إلى آخر الآية خشيت أن أموت على هذا فنزل قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فاستثنى شعراء المسلمين.
وقال كعب بن مالك: يا رسول اللّه ماذا تقول في الشعراء؟ فقال: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه. والذي نفسي بيده لكأنكم تنضحونهم بالنبل أو ترمونهم بالسيف» . عن عروة عن عائشة أنها كانت تقول: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح، فخذ الحسن ودع القبيح. واعلم أن الشعراء طبقات الجاهليون كامرئ القيس وزهير، والمخضرمون وهم الشعراء الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كحسان ولبيد، والمتقدمون من أهل الإسلام كالفرزدق وجرير ويستشهد بأشعارهم، ثم المحدثون كأبي تمام والبحتري ولا يستشهد بشعرهم.