حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 368
أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا وأمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها كما جاء في الحديث: «الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة» . ولا كذلك محمد عليه الصلاة والسّلام فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها. وقد فسر الأكثر بالكل لقوله: كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء: 222] والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجني. وقيل: الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن رجموا فيختطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم، أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم، لا على نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم.
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) وأتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليسوا كذلك وهو استئناف أبطل كونه شاعرا، وقرره بقوله:
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) لأن أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها وأغلب كلماتهم في النسيب بالحرم والغزل والابتهار، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والوعد الكاذب والافتخار الباطل ومدح من لا يستحقه والإطراء فيه. وإليه أشار بقوله:
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) فكأنه لما كان إعجاز القرآن من جهة المعنى واللفظ وقد قدحوا في المعنى بأنه مما تنزلت به الشياطين، وفي اللفظ بأنه من جنس كلام الشعراء تكلم في القسمين وبين منافاة القرآن لهما ومضادة حال الرسول عليه السّلام لحال أربابهما. وقرأ نافع يتبعهم على التخفيف وقرئ بالتشديد وتسكين العين تشبيها لبعض يعضد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكونه في معنى الجمع وتكون الضمائر كلها للأفاكين. قوله: (فيقرها) بضم القاف أي يصبها يقال: قررت على رأسه الماء إذا صببته عليه، وقر الحديث في أذنه يقره كأنه صبه فيها.
والذي قاله عليه الصلاة والسّلام كان قبل أن أوحي إليه وبعد ذلك فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا [الجن: 9] قال مقاتل: إن اللّه تعالى إذا أراد أمرا في الأرض أعلم به أهل السموات من الملائكة فتكلموا به فيما بينهم فتسمع الشياطين فترميهم الملائكة بالشهب فيختطفون الخطفة فذلك قوله تعالى: يُلْقُونَ السَّمْعَ الخ. فعلى هذا يكون ضمير «يُلْقُونَ» راجعا إلى «الشَّياطِينُ» وتكون جملة «يُلْقُونَ السَّمْعَ» حالا من الضمير في «تَنَزَّلُ» . قوله: (وقد فسر الأكثر بالكل) جواب عما يقال: كيف قيل: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ بعدما حكم عليهم بأن كل واحد منهم أفاك؟ وحاصله أن كونهم كاذبين مفترين في الخبر في أكثر ما يحكيه عنهم لا ينافي كونهم أفاكين كثيري الكذب وقوله: «ولا كذلك محمد» فإنه لا يتلقى ما أخبر به من الشياطين فيزيد فيه كذبات كما يفعله الكهنة، كيف ولم يظهر في إخباره عليه الصلاة والسّلام