فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 460
مجيء حرف الشك للتهكم بهم.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ دعاءك إلى الإتيان بالكتاب إلا هدى فحذف المفعول له للعلم به، ولأن فعل الاستجابة يعدّى بنفسه إلى الدعاء، وباللام إلى الداعي فإذا عدي إليه حذف الدعاء غالبا كقوله:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ إذ لو اتبعوا حجة لأتوا بها. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ استفهام بمعنى النفي. بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ في موضع الحال للتأكيد أو التقييد فإن هوى النفس قد يوافق الحق. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى.
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ اتّبعنا بعضه بعضا في الإنزال ليتصل التذكير، أو في النظم لتتقرر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والنصائح بالعبر. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) فيؤمنون ويطيعون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العمل. قوله: (فحذف المفعول) فإن استجاب بمعنى أجاب وهو يقتضي الدعاء البتة ويتعدى إليه، فإن قيل: فأين الدعاء من قبله عليه الصلاة والسّلام؟ قلنا: هو أمره إياهم بقوله:
فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فإن الأمر بعث على الفعل ودعاء إليه. قوله: (ولأن فعل الاستجابة يعدّى بنفسه إلى الدعاء) فيقال: استجاب دعاءه وباللام إلى الداعي فيقال: استجاب له. فإذا عدي إلى الداعي كما في الآية حذف الدعاء غالبا فلا يقال: استجاب له دعاءه إلا نادرا فحذف الدعاء في الآية أيضا اتباعا للعرف الغالب. والأول كما في البيت:
(وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب)
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب
أي ربّ داع دعا هل من مجيب إلى الندى، أي هل أحد يمنح المستمنحين، فلم يجبه أحد. وأورد البيت استشهادا على تعديته إلى الدعاء بنفسه بناء على أن تقديره فلم يستجب دعاءه على حذف المضاف فمعنى الآية: فإن لم يستجيبوا لك فيما تدعوه إليه ولم يأتوا بمثل التوراة والإنجيل والقرآن فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، وأن ما ارتكبوه من الكفر لا حجة لهم فيه. ثم ذمهم على إيثارهم الهوى على الهدى بقوله: وَمَنْ أَضَلُ الآية وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لا بد من الحجة والاستدلال. قوله: (اتّبعنا بعضه بعضا) يعني أن التوصيل بمعنى الوصل ضد القطع، وأصله من وصل الجبل. والمراد بهذا التوصيل إما التعاقب في النزول وإما التناوب والتعاضد ولعل بناء التفعيل للدلالة على كثرة الوصل وتكرره بأي معنى كان، ولا وجه لكونه للتعدية لأن الوصل أيضا متعد.