حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 477
يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82) لنعمة اللّه أو المكذبون برسله وبما وعدوا لهم من ثواب الآخرة.
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ إشارة تعظيم كأنه قال: تلك التي سمعت خبرها وبلغك وصفها و «الدار» صفة والخبر نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ غلبة وقهرا وَلا فَسادًا ظلما على الناس، كما أراد فرعون وقارون. وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ (83) ما لا يرضاه اللّه
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ذاتا وقدرا ووصفا وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ وضع فيه الظاهر موضع الضمير تهجينا لحالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم. إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84) أي إلّا مثل ما كانوا يعملون، فحذف المثل وأقام مقامه «ما كانوا يعملون» مبالغة في المماثلة.
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه لَرادُّكَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأرض. والباقون بضم الخاء وكسر السين على بناء المفعول فقوله: «بنا» هو القائم مقام الفاعل. قوله: (إشارة تعظيم الخ) معنى التعظيم مستفاد من الإشارة بلفظ البعيد تنزيلا لبعد درجة المشار إليه ورفعة محله منزلة بعد المسافة كما في قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: 1، 2] فإن الأصل في أسماء الإشارة أن يشار بها إلى مشاهد محسوس قريب أو بعيد، إلا أنه قد يشار بها إلى محسوس غير مشاهد وإلى ما يستحيل إحساسه ومشاهدته بناء على تصييره كالمشاهد المحسوس وتنزيل الإشارة العقلية منزلة الحسية. وما نحن فيه من هذا القبيل. قوله: (كما أراد فرعون وقارون) يعني أن المراد من عدم إرادة العلو عدم إرادته كإرادة فرعون حيث استكبر عن الإيمان واستعلى على ما في الأرض من خلق اللّه تعالى ولا سيما على نبيه المؤيد بالمعجزات القاهرة، ومن عدم إرادة الفساد أن لا يريده كإرادة قارون لقوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ [القصص: 4] ولقول ناصح قارون وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ [القصص: 77] وليس كل من يصدق عليه أنه أراد علوا وفسادا في الجملة محروما من سعادة دار الآخرة للنصوص الدالة على أن كل مؤمن من أهل الجنة، ومن جملتها قوله عليه الصلاة والسّلام: «من قال لا إله إلا اللّه دخل الجنة وإن زنى وإن سرق ثلاثا: وقال في الثالثة: «على رغم أنف أبي ذر» إلا أن الآية فيها زجر بليغ عن الخصلتين حيث لم يعلق الوعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما كما علق الوعيد بالركون إلى الظلمة دون نفس الظلم في قوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: 113] وأيضا فيها دلالة على أن إرادة ما ليس له من العلو والرفعة مما ينقص حظ المرء من سعادة الآخرة لما روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه. فيدخل تحت الآية. وعن الفضيل بن عياض أنه قرأها ثم قال: ذهبت الأماني ههنا. يعني أن الآية تدل على وجوب