حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 482
أو بما يضمّ معه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع نحو المتكلم لسماع ما بعد ذلك، فإذا كان ذلك المقدم كلاما مفهوم المعنى فربما يظن السامع أن مدلوله هو كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه، وأما إذا سمع منه صوتا بلا معنى فإنه حينئذ يقبل عليه ولم يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود. فتقرر أن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الموضع الذي ذكرت على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة. ثم اعلم أن حروف التهجي التي ذكرت في أوائل أكثر السور ذكر بعدها الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: 1، 2] الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ [آل عمران: 1 - 3] المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: 1، 2] يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: 1، 2] ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: 1] ق وَالْقُرْآنِ [ق: 1] الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ [السجدة: 1، 2] حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ [غافر: 1، 2] وآيات أخرى. ولم يذكر بعدها شيء من ذلك في ثلاث سور كهيعص [مريم: 1] الم أَحَسِبَ النَّاسُ [العنكبوت: 1، 2] الم غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: 1، 2] والحكمة في افتتاح السور التي ذكر فيها بعد حروف التهجي القرآن أو التنزيل أو الكتاب بتلك الحروف المنبهة هي أن القرآن عظيم الشأن وكذا الإنزال والكتاب وإنزال الوحي له ثقل عظيم لا تطيق القوة الحيوانية ثقله. قال اللّه تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] فكل سورة في أوائلها ذكر القرآن أو الكتاب أو التنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه. ثم اعلم أن التنبيه قد يحصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1] وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: 1] ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [التحريم: 1] لأنها أشياء هائلة عظيمة فإن تقوى اللّه حق تقاته أمر عظيم، فقدم عليها النداء الذي للبعيد الغافل عنها. وأما هذه السورة فافتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن لأن القرآن ثقله بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف لكونها مصدرة بقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع التكاليف فوجد فيها المعنى الذي وجد في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي. قوله: (أو بما يضم معه) إما بأن تجعل هذه الألفاظ المفردة أسماء للحروف التي يتركب منها الكلام افتتحت السور بطائفة منها إيقاظا لمن تحدى بالقرآن وتنبيها على أن المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم، فلو كان من عند غير اللّه تعالى لما عجزوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم عن الإتيان بما