فهرس الكتاب

الصفحة 3803 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 484

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ متصل «بأحسب» أو «بلا يفتنون» . والمعنى أن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3) فيتعلقن علمه بالامتحان تعلقا حاليا يتميز به الذين صدقوا في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (متصل بأحسب) بأن يكون حالا من فاعله لبيان علة إنكار الحسبان وتقرير جهة أشكاله، والمعنى: احسبوا ذلك وقد علموا أنه خلاف سنة اللّه تعالى وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 62؛ الفتح: 23] والمقصود التنبيه على خطأهم في الحسبان. قوله:

(أو بلا يفتنون) بأن يكون حالا من فاعله لبيان أن لا وجه لتخصيصهم أنفسهم بعدم الافتتان.

والمغنى: احسبوا أن لا يكونوا كغيرهم ولا يسلك بهم مسلك الأمم السابقة فيكون داخلا في حيز متعلق الحسبان المنكر تخطئة لهم. قوله: (فيتعلقن علمه بالامتحان) أي فليمتحنهم بمشاق التكاليف وبأنواع السرآء والضرآء يبلو بذلك صبرهم بثبات أقدامهم وصحة عقائدهم ونصوع نياتهم ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن في العبادة من العابد على حرف فيتعلق علمه بوجود كل طائفة على ما هي عليه من الحال، كما علم قبل ذلك بأنه سيوجد موصوفا بتلك الحال. ومقصود المصنف بهذا الكلام أن يجيب عما يقال: إنه تعالى عالم بجميع الكائنات فيما لم يزل فكيف قيل:

فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ وهو بظاهره يقتضي أن يكون علمه تعالى حادثا متجددا عن الامتحان لا قبله؟ قال الإمام: الآية محمولة على ظاهرها وذلك أن علم اللّه تعالى صفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع. فقبل التكليف كان اللّه سبحانه وتعالى يعلم أن زيدا مثلا سيطيع وعمرا سيعصي، ثم وقت التكليف والإتيان يعلم أنه مطيع والآخر عاص، وبعد الإتيان يعلم أنه أطاع والآخر عصى ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال وإنما المتغير المعلوم. ويتبين هذا بمثال من الحسيات وهو أن المرآة الصافية الصقيلة إذا عقلت بموضع وقوبل بوجهها جهة ثم عبر عليها زيد لابسا ثوبا أبيض فظهر فيها زيد في ثوب أبيض، ثم عبر عليها عمرو في لباس أصفر فظهر فيها كذلك فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديدا تغيرت أو كونها صافية صقيلة مدورة مقابلة إلى جهة فلانية تحولت وتبدلت؟ لا يقع في ذهن أحد تغيرها في شيء من هذه الأوصاف بل يقطع كل أحد بأن المتغير الأمور الخارجة عنها. فعلم اللّه تعالى في حكم تغيره وتجدده من هذا القبيل بل علمه تعالى أعلى وأجل فإن المرآة مخلوقة وعلمه تعالى أزلي قديم لكن يتجدد تعلقه على حسب تجدد المعلوم، فقوله:

فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا معناه أنه يقع ممن يعلم اللّه تعالى أنه سيطيع الطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم وقوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ يعني من قال: أنا مؤمن وكان كاذبا فبفرض العبادات يظهر منه ذلك لأنه يقع ممن علم اللّه تعالى منه أنه سيعصي ولا يطيع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت