فهرس الكتاب

الصفحة 3819 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 500

وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها. وثاني مفعولي «اتخذتم» محذوف، ويجوز أن يكون «مَوَدَّةَ» المفعول الثاني بتقدير مضاف أو بتأويلها بالمودودة أي اتخذتم أوثانا سبب المودة بينكم. وقرأها نافع وابن عامر وأبو بكر منونة ناصبة بينكم، والوجه ما سبق. وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس مرفوعة مضافة على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة بينكم. والجملة صفة أوثانا أو خبر أن على أن «ما» مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول. وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح بينكم كما قرئ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: 94] وقرئ «إنما مودة بينكم» ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أي يقوم التناكر والتلاعن بينكم أو بينكم وبين الأوثان على تغليب المخاطبين كقوله: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: 82] وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25) يخلصونكم منها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيفية الإنجاء بقوله: «بأن جعلها عليه بردا وسلاما» فإن قيل: الحرارة للنار صفة لازمة ذاتية كالزوجية للأربعة فكيف يمكن أن تفارقها؟ فالجواب: إنّا لا نسلم أن الحرارة مقتضى ذات النار بل إنما هي بإرادة الفاعل المختار فجاز أن يزيل عنها تلك الكيفية فتبقى نورا محضا لا إحراق لها، كما أن الماء له كيفية البرودة لكن قد تزول عنه البرودة ويبقى ماء بلا برودة، فكذلك النار يجوز أن يزول عنها الإحراق وتبقى نورا غير محرق. وقيل: كيفية إنجائه منها أنه تعالى خلق في إبراهيم كيفية استبرد معها النار. وقال بعضهم: ترك إبراهيم على ما هو عليه وترك النار على ما كانت عليه ومنع أذى النار عنه والكل ممكن واللّه تعالى قادر عليه، والبعد بحسب العادة لا ينافي الوقوع لأنه معجز والمعجز لا بد أن يكون خارقا للعادة إلا أن قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء: 69] يؤيد ما ذكره المصنف حتى روي أنه لم ينتفع بالنار أحد يوم ألقي إبراهيم في النار لذهاب حرها. ثم إنه تعالى قال في حق سفينة نوح عليه السّلام: وَجَعَلْناها آيَةً [العنكبوت: 15] وقال في إنجاء إبراهيم عليه السّلام: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لأن الإنجاء بالسفينة شيء تسع له العقول ولم يكن فيها من الآيات إلا أنه تعالى أعلمه باتخاذها لوقت الحاجة فإنه لولاه لما اتخذها لعدم علمه بالغيب، وأما الإنجاء من النار ففيه آيات ذكرها المصنف. وقال تعالى في حق السفينة آيَةً لِلْعالَمِينَ [العنكبوت: 15] وقال ههنا: آيات لِقَوْمٍ يؤمنون لأن السفينة بقيت أعواما ومر عليها طوائف الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، بخلاف تبريد النار فإنه لم يبق فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به بالفحص عنه والتأمل فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت