فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 505
قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا اعتراض عليهم بأن فيها من لم يظلم أو معارضة للموجب بالمانع وهو كون النبي بين أظهرهم. قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ تسليم لقوله مع ادعاء مزيد العلم به، وأنهم ما كانوا غافلين عنه، وجواب عنه بتخصيص الإهلاك بمن عداه وأهله، أو تأقيت الإهلاك بإخراجهم منها. وفيه تأخير البيان عن الخطاب إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (32) الباقين في العذاب أو القرية.
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء و «إن» صلة لتأكيد الفعلين واتصالهما وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم: ضاقت يده وبإزائه: رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقا له، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا ينال قصير الذراع.
وَقالُوا لما رأوا فيه أثر الضجرة لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ على تمكنهم منا إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (33) وقرأ حمزة وابن كثير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لإهلاك قومه وجعلهم مبشرين ومنذرين حيث جاؤوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة ثم قالوا:
إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ وقدموا البشارة على الإنذار لكون البشارة إثر الرحمة والإنذار إثر الغضب ورحمة اللّه تعالى سابقة على غضبه. ثم إن إبراهيم لما سمع قول الملائكة إِنَّا مُهْلِكُوا أظهر الإشفاق على لوط ونسي نفسه وما بشروه به ولم يظهر له فرحا وقال: إِنَّ فِيها لُوطًا ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه وقالوا: إنك ذكرت لوطا وحده ونحن ننجيه وننجي معه أهله. فانظر إلى شفقة كل واحد منهم في حق أهل الخير.
قوله: (اعتراض عليهم) يعني ليس مقصوده عليه الصلاة والسّلام من إلقاء هذه الجملة الخبرية إلى الملائكة إفادة مضمونها لهم ولا إفادة كونه عالما بمضمونها، لأن كل واحد منهما معلوم عند الرسل بل الفائدة في إلقائها إليهم ما اقتضاه المقام من الاعتراض وإظهار الشفقة عليه. ولما كان منشأ اعتراضه قول الملائكة إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أجاب الملائكة عنه بما يحتمل أن يكون بيان تخصيص أو بيان توقيت، الأول مبني على كون قوله عليه الصلاة والسّلام أن فيها لوطا اعتراضا والثاني مبني على كونه معارضة. قوله: (صلة لتأكيد الفعلين واتصالهما) فإنه لو لم يذكر كلمة «أن» لكان معنى الكلام وجود الفعلين أي مجيء الرسل ومساءة لوط عليه السّلام بسببهم مرتبا أحدهما على الآخر فزيادة «أن» أكدت هذا المعنى بحيث صارا كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان. قوله: (لأن طويل الذراع) بيان لوجه كون طول الذراع وضيقه عبارتين عن القدرة والعجز وهو أنه من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب. والذرع والذراع من المرفق إلى أطراف الأصابع. فإن لوطا عليه السّلام لم يعلم أنهم ملائكة بل ظن أنهم غرباء ضافوه وخاف عليهم من قومه وما كان منهم