حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 533
الأمر بتنزيه اللّه تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته وتتجدد فيها نعمته، أو دلالة على أن ما يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزيهه واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات والأرض. وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي الذي هو آخر النهار من عشيت العين إذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التفرق إلى فريقي المؤمنين والكافرين على الإجمال ثم فصل حالهما وبيّن مصيرهما بما هو وعد في حق أحدهما ووعيد في حق الآخر، ثم فرع على هذا الوعد والوعيد قوله:
فَسُبْحانَ اللَّهِ الآية فإن الفاء فيه فاء الجزاء لشرط محذوف وإلا لم يكن للكلام وجه ارتباط بما قبله كأنه قيل: إذا تقرر عندكم مصير كل واحد من الفريقين واتضح عاقبة المؤمنين من أهل طاعته المقبلين إليها فسبحوا اللّه تعالى تسبيحا في هذه الأوقات. وهذا معنى قول المصنف: «أن قوله تعالى فسبحان اللّه في معنى الأمر بتنزيه اللّه تعالى» ولم يجعله أمرا حقيقة بأن يكون المصدر منصوبا بفعل الأمر لكونه مصدرا بفاء الجزاء والأمر بل الجمل الإنشائية مطلقا لا يصح تعليقها بالشرط لأن الإنشاء إيقاع المعنى بلفظ يقارنه، ولو جاز تعليقه للزم تأخره عن زمان التلفظ وأنه غير جائز. وإنما المعلق بالشرط هو الإخبار عن إنشاء التمني والترجي وإنشاء المدح والذم والاستفهام ونحوها، فإذا قلت: إن فعلت فعل كذا غفر اللّه لك أو فنعم ما فعلت، كان المعنى: فقد فعلت ما تستحق بسببه أن يغفر لك أو أن تمدح بسببه.
إلا أن الجملة الإنشائية أقيمت مقامه للمبالغة في الدلالة على الاستحقاق. فمعنى الآية: إذا كان الأمر كما تقرر فأنتم تسبحون اللّه تعالى في الأوقات المذكورة وهو في معنى الأمر بالتسبيح فيها. وكذا قوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ إخبار في معنى الأمر بالثناء عليه فكأنه قيل:
إذا تقرر ذلك فعليكم بتسبيح اللّه تعالى وتحميده اللذين يوصلان إلى الوعد وينجيان من الوعيد. وقوله: «التي تظهر فيها قدرته» إشارة إلى وجه تخصيص هذه الآية بالتنزيه وقوله:
«وتتجدد فيها نعمته» إشارة إلى وجه تخصيصها بالثناء. قوله: (أو دلالة) عطف على قوله:
«إخبار في معنى الأمر» لا على مجرد كونه إخبارا لما بيّنا أن كونه جواب الشرط يستلزم كونه إخبارا البتة، وإنما الاحتمال في كونه في معنى الأمر أو لمجرد الدلالة على أن ما يحدث فيها من الدلائل الدالة على تنزيهه تعالى عن سمات العجز والإمكان واستحقاقه الحمد والثناء بكل لسان من ألسن الملائكة والإنس والجان. قوله: (لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر) من حيث إنه يتبدل فيهما أحد الضدين بالآخر كتبدل الظلمة بالنور وبالعكس وكتبدل ما يشبه الحياة بما يشبه الموت وبالعكس. وأصبح وأمسى من الأفعال الناقصة إلا أن قوله: «تُمْسُونَ» و «تُصْبِحُونَ» في الآية من الأفعال التامة بمعنى تدخلون في المساء وتدخلون في الصباح، وكذا تظهرون أي تدخلون في الظهيرة. قوله: (وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح)