حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 553
استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك وغلبته فيهم، أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ البليغ الاستقامة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ لا يقدر أن يرده أحد، وقوله: مِنَ اللَّهِ متعلق «بيأتي» ويجوز أن يتعلق بمرد لأنه مصدر على معنى لا يرده اللّه لتعلق إرادته القديمة بمجيئه. يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) يتصدعون أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير كما قال:
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي وباله وهو النار المؤبدة. وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) يسوون منزلا في الجنة وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص.
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ علة ليمهدون أو ليصدعون والاقتصار على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات والاكتفاء على فحوى قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (45) فإن فيه إثبات البغض لهم والمحبة للمؤمنين وتأكيد اختصاص الصلاح بهم المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العقبى. قوله: (استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك وغلبته فيهم) فمعنى الاستئناف على هذا أنه تعالى أهلكهم جميعا بفشو الشرك فيما بينهم، وأنه تعالى أهلك العامة بسبب الشرك وحده وإن لم يتفق الكل عليه إلا أنه لما شاع وغلب فيهم جعل الكل في حكم المشرك وهلكوا جميعا بسببه كما قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] . قوله: (أو كان الشرك في أكثرهم إلى آخره) فمعنى الاستئناف على هذا أنهم أهلكوا جميعا بما كسبت أيديهم ولم يهلك أحد من غير معصية إلا أن سبب هلاك أكثرهم هو الشرك الظاهر وسبب هلاك الباقين ما دون الشرك من المعاصي كاعتداء أصحاب السبت ونحوهم. ثم إنه تعالى لما بيّن أن المعاصي سبب لسخط اللّه تعالى في الدنيا أمر رسوله عليه الصلاة والسّلام بأن يستقيم على الدين القويم تثبيتا للمؤمنين على ما هم عليه إلا أنه تعالى خاطب به سيدهم تعظيما له ولكونه عليه الصلاة والسّلام واسطة بينه تعالى وبين الأمة. قوله: (كما قال من كفر فعليه كفره) يعني أنه بيان لوجه التفرق ببيان أنه تعالى غني عنهم وعن أعمالهم. قوله: (والاقتصار) جواب عما يقال: إذا كان علة «ليصدعون» كان ينبغي أن يذكر جزاء الكافرين أيضا. قوله: (فإن فيه إثبات البغض لهم والمحبة للمؤمنين) فإن عدم محبة الكافر كما يتضمن محبة ضده وإرادة اللطف والإكرام به يتضمن أيضا بغض الكافر وإرادة الانتقام منه. ولا شك أن بغضه تعالى لأحد وإرادته الانتقام منه كمال العقوبة ومؤدي إلى أسوإ الجزاء والعياذ باللّه، فاكتفى بهذه الدلالة الضمنية عن التصريح بجزاء الكافرين.
قوله: (وتأكيد اختصاص الصلاح بهم) أصل الاختصاص يفهم من تقييد «من» بقوله: