حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 597
قضائي وسبق وعيدي وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) وذلك تصريح بعدم إيمانهم لعدم المشيئة المسبب عن سبق الحكم بأنهم من أهل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكفر على الإيمان فحقت كلمة العذاب على الكافرين. ونحن نقول هذا التأويل فاسد لأنهم زعموا أنه تعالى شاء من الكافر أن يهتدي وآتاه ما به يهتدي إلا أنه لم يهتد ولم تنفذ فيه مشيئة اللّه تعالى فكيف يقدر ويملك أن يشاء مشيئة تقهرهم وتجبرهم على الاهتداء؟ وأيضا يقال لهم: إن الإيمان والتوحيد في حال الجبر والقهر لا يكون إيمانا لأن الإكراه يرفع الفعل عن فاعله ويحوله عنه إلى المكره. روي عن الحسن أنه قال: خطبنا أبو هريرة رضي اللّه عنه على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «ليعتذرن اللّه تعالى إلى آدم عليه الصلاة والسّلام ثلاث معاذير، يقول اللّه تعالى: يا آدم لولا أني لعنت الكذابين وأبغضت الكذب والخلف وأعذب عليه لرحمت اليوم ولدك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لئن كذبت رسلي وعصي أمري لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين. ويقول اللّه تعالى: يا آدم اعلم أني لا أدخل من ذريتك النار أحدا ولا أعذب منهم بالنار أحدا إلا من قد علمت بعلمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر ما كان فيه ولم يرجع ولم يعتب، ويقول اللّه تعالى: يا آدم قد جعلتك حكما بيني وبين ذريتك قم عند الميزان فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل منهم النار إلا من كان ظالما» . فقوله تعالى: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي تقديره: ولكن لم أشأ إيتاء توفيق الإيمان لكل نفس فبقي بعض منهم غير موفق للإيمان والطاعة، فاختار الكفر والعصيان فسبق قضائي وسبق وعيدي في حقهم وهو قوله تعالى لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 85] من كفار الفريقين لاختيارهم الكفر والتكذيب وفي قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ دلالة على أنه تعالى قد عصم ملائكته من عمل يستحقون به جهنم وأنهم مبرؤون من دخول النار، وهذا يقتضي أن لا يكون إبليس من الملائكة وهو الصحيح. وقوله تعالى: أَجْمَعِينَ تأكيد لاجتماع الفريقين في كونهما مالئين لجهنم المدلول عليه بعطف الناس على الجنة بواو الجمع ولا يلزم منه دخول كل أحد من آحاد الفريقين النار لأن المراد اجتماع الجنسين في أن يملأ بهما جهنم لا استغراق آحادهما في ذلك كما إذا قلت: ملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعا فإنه لا يقتضي أن لا يبقى درهم خارج عن الكيس.
قوله: (وذلك تصريح بعدم إيمانهم لعدم المشيئة) لأن «لو» لانتفاء الثاني لانتفاء الأول الذي هو المشيئة وكون عدم المشيئة مسببا عن سبق الحكم بأنهم من أهل النار مبني على أن قوله تعالى: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي جيء به تعليلا لعدم المشيئة كأنه قيل: لو شئنا إيتاء