فهرس الكتاب

الصفحة 3988 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 669

بنيته ورخاوة قوته، لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين. إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا حيث لم يف ولم يراع حقها. جَهُولًا (72) بكنه عاقبتها. وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية والاختيارية وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن إدائها. ومنه قولهم: حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته، فيكون الإباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منه. والظلم والجهالة للخيانة والتقصير.

قيل: إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما وقال لها: إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها ونارا لمن عصاني. فقلن: نحن مسخرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولا عقابا. ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته. ولعل المراد بالأمانة العقل والتكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم القابلية والاستعداد وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها، وكونه ظلوما جهولا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأمانة على الجماد وإبائه وإشفاقه وإن كان أمرا مستحيلا في نفسه إلا أنه يصح فرضه وجعله مشبها به. والغرض من التشبيه تصوير عظم شأن الأمانة والعرض والإشفاق والإباء على حقائقها والحمل بمعنى الاحتمال والإلزام لرعاية حقها. قوله: (وهذا وصف للجنس) يعني أن التعريف في قوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ تعريف الجنس وصح توصيف الجنس بوصف باعتبار وجوده في بعض أفراده فكيف إذا وجد في أكثر أفراده؟ واحتيج إلى هذا التوجيه لأن الصديقين والأبرار من بني آدم حاشاهم أن يكونوا ظلوما جهولا. قوله: (وقيل الخ) أي قيل: المراد بالأمانة الطاعة المجازية المتناولة لما يليق بالجمادات والمكلفين من الحيوانات، فينبغي أن يحمل العرض على معنى مجازي يصح تعلقه بالفاعل المختار وغيره وهو مجرد الاستدعاء وإرادة صدوره من غيره. ومعنى قوله: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ فأبين الخيانة فيها بأن لا يؤدينها أي ولم يؤدها إلى صاحبها ولم يخلص ذمته من عهدتها روي عن الحسن أنه قال: الكافر والمنافق حملها أي الأمانة أي خانا ولم يطيعا، ومن أطاع من النبيين والصديقين والمؤمنين فلا يقال فيه كان ظلوما جهولا، وتصديق ذلك ما بعده من قوله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ الآية. قوله: (وقيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام الخ) فعلى هذا القول يكون العرض تخييرا لا إلزاما والإباء لاختيار أحد الأمرين مخافة وخشية لا مخالفة ومعصية قالوا: إن كان هذا عرض تخيير فقد تركنا الثواب مخافة العقاب نطيعك ولا نعصيك طرفة عين طاعة طبيعية على حسب ما خلقنا عليه ولا نلتزم ما يشق علينا رعاية حقه. قال الحسن ومقاتل: قال اللّه تعالى لآدم أتحمل هذه الأمانة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت