فهرس الكتاب

الصفحة 3991 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 672

بواسطة من يستحق الحمد لأجلها. ولا كذلك نعم الآخرة. وَهُوَ الْحَكِيمُ الذي أحكم أمور الدارين الْخَبِيرُ (1) ببواطن الأشياء.

يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ كالغيث ينفذ في موضع وينبع في آخر وكالكنوز والدفائن والأموات. وَما يَخْرُجُ مِنْها كالحيوان والنبات والفلزات وماء العيون وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالملائكة والكتب والمقادير والأرزاق والأنداء والصواعق. وَما يَعْرُجُ فِيها كالملائكة وأعمال العباد والأبخرة والأدخنة وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53] وحاصل قوله وليس هذا من عطف المقيد على المطلق أنه من عطف المقيد على المقيد وذلك لأنه تعالى لما عقب الحمد بما يدل على كمال قدرته وإفضاله علينا بالنعم الدنيوية عرف أنه المحمود على نعم الدنيا، ثم لما عطف عليه الحمد في الآخرة علم أنه أيضا على النعمة ليتلاءم الكلام ولما قيد الحمد هناك بأن محله الآخرة علم أن الأول محله الدنيا كذلك أيضا، فصار المعنى أنه المحمود على نعم الدنيا فيها وأنه المحمود على نعم الآخرة فيها. وقدم الحمد أولا على الأصل فإن حق المبتدأ التقديم وأخره ثانيا ليفيد الحصر، فإن الحمد في الآخرة ليس إلا له وأما في الدنيا فقد يحمد غيره تعالى لوصول نعمة اللّه تعالى إليه من يد ذلك الغير بخلاف الآخرة، فإن الملك والنعمة فيها ليس إلا له تعالى، فدل على هذا المعنى تقديم الخبر. والمعتزلة فرقوا بين الحمد الواقع في الدنيا والواقع في الآخرة بأن الحمد في الدنيا واجب لأنه على نعمة متفضل بها بخلاف الحمد في الآخرة فإنه ليس بواجب لكونه بمقابلة نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها بناء على ما زعموا من أن ثواب المطيع واجب عليه تعالى، والجميل الذي يجب صدوره من الفاعل لا يجب الحمد عليه لأن الحمد لا يكون إلا على الجميل الاختياري.

وعند أهل السنة: لا يجب عليه تعالى شيء لا في الدنيا ولا في الآخرة ويجب الحمد على المكلف في الدنيا لكون دار الدنيا دار التكليف ولا يجب في الآخرة لانقطاع التكليف فيها ومع ذلك فأهل الجنة يذكرون اللّه تعالى ويشكرونه ويعبدونه أكثر مما يعبدونه في الدنيا تلذذا وابتهاجا بذكره، وكيف لا وقد صار حالهم كحال الملائكة الذين قال تعالى في حقهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20] غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي حال سجية بمقتضى الطبع. قوله: (والفلزات) الفلز اسم جامع لجميع جواهر الأرض. قوله تعالى: (يَعْلَمُ ما يَلِجُ) مستأنف لبيان كونه خبيرا، فإن الخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها والحكيم هو العالم الذي يفعل ما يناسب علمه ويكون فعله على وفق علمه وقدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء لأن الحبة تبذر أولا ثم تسقى ولم يقل: وما يعرج إليها بدل قوله: «وما يعرج فيها» لأن كل واحد من الملائكة والأعمال ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت