حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 673
أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ إنكار لمجيئها أو استبطاء استهزاء بالوعد به. قُلْ بَلى رد لكلامهم وإثبات لما نفوه وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ تكرير لإيجابه مؤكدا بالقسم مقررا لوصف المقسم به بصفات تقرر إمكانه وتنفي استبعاده على ما مر غير مرة. وقرأ حمزة والكسائي «علام الغيب» للمبالغة ونافع وابن عامر ورويس «عالم الغيب» بالرفع على أنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منتهى عروجه نفس السماء بل ينفذ فيها ويصعد إلى أن يصل إلى منتهى صعوده فالملك يصعد إلى أن يصل إلى مقامه المعلوم، والعمل يصعد إلى محل الأعمال المقبولة، ولو قيل:
ما يعرج إليها لفهم الوقوف عند السموات فقال: «وما يعرج فيها» ليفهم نفوذه فيها وصعوده منها. ولهذا قيل في الكلم الطيب إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10] لأنه تعالى هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ثم قال: وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ رحيم بعباده بإنزال ما ينزل من السماء من الملائكة والكتب والأرزاق وأنواع الخيرات والبركات مما يلج في الأرض وما يخرج منها، والغفور للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها حيث لا يعاجلهم بالعذاب بل يغفر لمن تاب منهم وأناب فهو المستحق للحمد بذلك أيضا. فعلى هذا يكون المراد بالرحمة والمغفرة ما يكون في الدنيا منهما. ويحتمل أن يكون المراد بالرحمة سوابق النعمة أيضا وبالمغفرة ما يكون في الآخرة. ثم إنه تعالى لما أثبت الدار الآخرة وحكم بأن الحمد فيها مختص به لاختصاص ما فيها من النعم به تعالى خلقا ونعمة حكى مقالة من ينكر البعث والقيامة وهي ما روي عن مقاتل أنه قال: قال أبو سفيان لكفار مكة، واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا. فلما حلف قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ أمره بأن يقسم بأغلظ الإيمان وهو الحلف باللّه.
قوله تعالى: (بَلى) جواب لقولهم «لا تَأْتِينَا» وما بعده قسم على ذلك الإيجاب وقوله:
«لتأتينكم» تكرير لذلك الإيجاب حال كون ذلك الإيجاب مؤكدا بالقسم وهو ظاهر ومقررا باتباع المقسم به بذكر أوصافه الدالة على إمكان ما نفوه، فإن من كان عالما بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأحياء ويقدر على جمعها فتلك الأوصاف تدل على كون الساعة ممكنة القيام وقد أخبر عنه الصادق فتكون واقعة لا لحالة فقوله تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ فيه لطيفة وهو أن الإنسان له جسم وروح والأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ إشارة إلى إحاطة علمه بالأرواح وقوله: وَلا فِي الْأَرْضِ إشارة إلى إحاطة علمه بالأجزاء الجسيمة فإذا علم الأرواح والأشباح وقدر على جمعها انتفى استبعاد ما نفوه من البعث وإتيان الساعة أيضا من جملة الوجوه الداعية لهم إلى استبعاد ذلك أنهم زعموا أن إحاطة العلم بتفاصيل