فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 680
وَالطَّيْرَ رجعي معه التسبيح، أو النوحة على الذنب. وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، أو سيري معه حيث سار. وقرئ «أوبي» من الأوب أي ارجعي في التسبيح كلما رجع فيه وهو بدل من «فضلا» أو من «آتينا» بإضمار قولنا أو قلنا. وَأَلَنَّا عطف على محل الجبال. ويؤيده القراءة بالرفع عطفا على لفظها تشبيها للحركة البنائية العارضة بحركة الإعراب أو على «فضلا» أو مفعول معه «لأوبي» . وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بالعطف على ضميره وكان الأصل: ولقد آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال والطير، فبدل به هذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها. وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) وجعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بآلاته أو بقوته.
أَنِ اعْمَلْ أمرناه أن اعمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو يكون إسناد التسبيح إليها من قبيل إسناد الفعل إلى السبب الحامل. قوله: (أو سيري معه) عطف على قوله: «رجعي» قيل: قوله: «أوبي» من التأويب في السير وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا فالمعنى: سيري معه حيث شاء. وفي التيسير: كانت الجبال تسير مع داود عليه الصلاة والسّلام حيث شاء. قوله: (والطير عطف على محل الجبال) فإن عامة القراء نصبوا «والطير» عطفا على محل «يا جبال» لأن كل منادى في موضع النصب أو على «فضلا» بمعنى وسخرنا له الطير حكاه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء وهو كقوله: علفتها تبنا وماء باردا بتقدير وسقيتها ماء باردا. ويرد على جعله منصوبا على أنه مفعول معه أنه كيف يجوز ذلك وقد ذكر قبله لفظة «معه» والعامل الواحد لا يقتضي أكثر من مفعول معه واحد إلا بالبدل أو بالعطف فلا يقال: جاء زيد مع بكر مع عمرو. قوله: (وعلى هذا) أي على جواز كونه مفعولا معه يجوز أن يكون ارتفاع «والطير» بناء على عطفه على ضمير «أوبي» والتقدير: أوبي معه أنت والطير كقوله تعالى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [المائدة: 24] إلا أن المرفوع المتصل في «أوبي» لم يؤكد بمنفصل استغناء عنه بالفصل بينه وبين المعطوف بالظرف. قوله: (وكان الأصل) يعني لما كان قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ بدلا من «فضلا» أو من «آتينا» بإضمار القول كان ظاهر أن يقال: لا يؤتى بصورة النداء أو لا يحتاج إلى الإضمار، إلا أنه أوثر هذا النظم لما فيه من فخامة أمر التأويب فإن التصدير بالنداء يدل على أن ما يذكر بعده أمر مهم يعتني بشأنه. ومن الدلالة على عظمة شأنه تعالى قوله تعالى: وَأَلَنَّا عطف على «آتينا» وجوز أن يكون كلمة «أَنِ» في قوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ مفسرة ومصدرية ولما كان من شرط المفسرة أن يتقدمها ما هو بمعنى القول ولم يتقدم هنا إلا قوله: «ألنا» قدر ما هو بمعنى القول أي وأمرناه أن اعمل، وإن كانت مصدرية كان الكلام مبنيا على حذف حرف