فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 681
و «أن» مفسرة أو مصدرية سابِغاتٍ دروعا واسعات. وقرئ «صابغات» وهو أول من اتخذها. وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وقدر في نسجها بحيث يتناسب حلقها أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقا فتقلق ولا غلاظا فتخرق. ورد بأن دروعه لم تكن مسمرة ويؤيده قوله:
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وَاعْمَلُوا صالِحًا الضمير فيه لداود عليه السّلام وأهله. إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) فأجازيكم عليه.
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أي وسخرنا له الريح. وقرأ أبو بكر «الريح» بالرفع أي ولسليمان الريح مسخرة. وقرئ «الرياح» غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك. وقرئ «غدوتها» و «روحتها» . وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجر المتعلق بألنا وكان المعنى: ألنا له ذلك لا يعمل دروعا سابغات، وأسند الفعل إلى المخاطب نظرا إلى جانب المعنى. قوله: (وهو أول من اتخذها) وكانت قبله الصفائح فحصل بصنعتها شيئان: لين الكسر وخفة الحمل. قيل: كان داود عليه الصلاة والسّلام يفرغ من صنعة درع في نصف يوم أو نصف ليلة ويبيعها بألف درهم. وقيل: بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعلى عياله قدر ما يكفيهم ويتصدق بالفضل.
قوله: (وقدر في نسجها) يعني أن السرد نسج الدرع وهو في الأصل متابعة الشيء الشيء، ومنه سرد الحديث: إذا تابعه. ولما بيّن تعالى ما آتاه داود على إنابته بيّن ما آتاه سليمان عليه الصلاة والسّلام على إنابته فإنه أيضا من جملة من أناب لقوله تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ [ص: 34] . قوله: (أي ولسليمان الريح مسخرة) فإن قيل: فعلى هذا يلزم عطف الجملة الاسمية على الفعلية وهو لا يجوز أو لا يحسن، و «لسليمان الريح» عطف على قوله: «وألنا له الحديد» ، وإلانة الريح عبارة عن تسخيرها. قلنا: لا يلزم كونها معطوفة على الفعلية المذكورة قبلها لجواز كونها معطوفة على اسمية مقدرة دلت عليها تلك الفعلية، فإنه لما بيّن حال داود فكأنه قيل: ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح فإنها كانت له كالمملوك المختص بالمالك يأمرها بما يريد ويسير عليها إلى حيث يريد، ولما سجت الجبال وشرفت بذكر اللّه تعالى لم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالصاحب فقال: يا جبال أوبي معه والريح لما لم يذكر فيها أنها سجت جعلها كالمملوك له فقال: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ وأيضا كان داود عليه السّلام أصلا في التأويب وكانت الجبال تابعة له في التأويب فقيل:
أَوِّبِي مَعَهُ والريح لما لم تكن حركتها تابعة لحركة سليمان بل كانت تتحرك بنفسها بل تحمل سليمان وجنوده على تحريكهم بحركة نفسها لم يكن وجه لأن يقال: والريح مع سليمان لأنه عليه الصلاة والسّلام كان مع الريح. قوله: (جريها بالغداة مسيرة شهر) يعني أن الغدو مصدر قولك: غدا زيد يفعل كذا يغدو غدوا إذا فعله وقت الغداة، وهي اسم الوقت من