حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 705
«ومكر الليل» بالتنوين ونصب الظرف. ومكر الليل من الكرور. وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وأضمر الفريقان الندامة على الضلال والإضلال وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير أو أظهروها، فإنه من الأضداد إذ الهمزة تصلح للإثبات وللسلب كما في أشكيته. وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي في أعناقهم فجاء بالظاهر تنويها بذمهم وإشعارا بموجب أغلالهم. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33) أي لا يفعل بهم ما يفعل إلا جزاء على أعمالهم وتعدية يجزي إما لتضمين معنى يقضي أو لنزع الخافض.
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها تسلية لرسول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي كما في قول جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
فيكون من إضافة المصدر إلى فاعله. وكل واحد من الوجهين أحسن من قول من قال: إن الإضافة فيه بمعنى «في» أي مكر في الليل لأن ذلك لم يثبت في غير محل النزاع.
قوله: (ومكر الليل من الكرور) أي قرئ «مكر» بفتح الكاف وتشديد الراء مرفوعا ومنصوبا، أما الرفع فعلى ما ذكر في القراءة بسكون الكاف أي بل صدنا كرورهما علينا واختلافهما من كر إذا جاء وذهب على معنى صدنا طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد: 16] وأظهر منه أن يكون ارتفاعه على أنه مبتدأ حذف خبره أو خبر مبتدأ محذوف أي بل مكركم أي كروركم بالإغواء في الليل والنهار دائبا سبب كفرنا وصدودنا عن الهدى، أو سبب ذلك مكركم وخلاصة المعنى: أنا إنما أشركنا بسببكم.
وأما النصب فعلى أنه مصدر فعل محذوف أي بل تكرون الإغواء مكر الليل والنهار أي وقت كرورهما مثل آتيك خفوق النجم والمعنى: بل تكرون الإغواء مكرا دائما لا تفترون عنه.
قوله: (في أشكيته) فإنه يجيء بمعنى أثبت له الشكاية وأزلت عنه الشكاية وقد جمعهما من قال:
شكوت إلى الأيام سوء صنيعها ... ومن عجب باك تشكي إلى المبكى
فما زادني الأيام إلا شكاية ... وما زالت الأيام تشكي ولا تشكى
أي تزيد شكايتي ولا تزيلها. قوله: (تنويها بذمهم) أي تصريحا به من ناه الشيء ينوه إذا ارتفع ونوهته تنويها إذا رفعته ونوهت باسمه إذا رفعت ذكره وقوله تعالى: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي إلا جزاء أعمالهم من الكفر والمعاصي أشار به إلى أن ذلك حقهم عدلا وهو استفهام تقرير وعدي «يجزون» إلى «أعمالهم» مع أن جزى لا يتعدى بنفسه إلى مفعولين بل يقال: جزيته بما صنع إما على طريق الحذف والإيصال وهو ظاهر أو لتضمين