حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 21
غير معتد به ولذلك قال: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا [النساء: 28] وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) المستغني على الإطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد.
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) بقوم آخرين أطوع منكم أو بعالم آخر غير ما تعرفونه وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) بمتعذر أو متعسر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشواغل الأنفسية والآفاقية، فلا جرم احتاج في صلاح أحواله ورعاية ما كلف به إلى أمور كثيرة لا يحتاج إلى شيء منها سائر الممكنات وذلك كثير لكثرة ما يختص به مما يتفرع على قوته النظرية والعملية مع كونه مغمورا بالشواغل والعوائق الأنفسية والآفاقية. قوله: (المنعم على سائر الموجودات) إشارة إلى أن الحميد كناية عن الملزوم وهو المنعم وأنه تكميل لقوله: هُوَ الْغَنِيُ لأنه تم به فائدة المقابلة وتعريض بأنه مع استغنائه على الإطلاق جواد منعم على الإطلاق ومثله في كونه من قبيل التكميل:
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهب
قيل في سبب نزول هذه الآية: إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أكثر دعوة الكفار ازدادوا إصرارا وقالوا: إن اللّه تعالى محتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرا بالغا ويهددنا على تركها مبالغا فنزل يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُ فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه عليكم وهو مع استغنائه يدعوكم إلى ما فيه سعادتكم وفوزكم وأنتم مع احتياجكم لا تجيبونه. ثم قال تعالى على طريق الغضب والتهديد إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني أن استحقاقكم للهلاك قد تحقق ولا يتوقف الإهلاك إلا على مشيئته فإن يشأ يذهبكم ويأت بقوم أطوع منكم يطيعونه فيما أمرهم به ونهاهم عنه ويستحقون بذلك فضله ورحمته. وقيل: إن الآية بيان لغناه بغاية البلاغة وتقريره: أن إذهاب الشيء إنما يتوقف على محض المشيئة إذا كان مستغنى عنه بخلاف إذهاب ما يحتاج إليه، فإنه يتوقف بعد المشيئة على انتفاء الحاجة إليه فإنه لا يقال: إن شاء فلان هدم داره وإنما يقال: لو انتفى احتياجه إليها بوجه ما وشاء هدمها لهدمها. واللّه تعالى لما علّق إذهابهم على مجرد مشيئة ذلك ظهر استغناؤه عنهم فكأنه قال: إن اقتضت حكمتي ظهور ملكي وعظمتي بخلق ما هو من دلائل كمال علمي وقدرتي وشواهد علو شأني وعزتي أن يخلق آت بخلق جديد يدل على ذلك، وما ذلك الإذهاب والإتيان بعزيز يغلب عليه تعالى بأن يكون متعذرا عليه أو متعسرا. ولفظ «العزيز» استعمله اللّه تارة في القائم بنفسه فقال في حق نفسه وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب: 25] ونحوه واستعمله تارة في القيام فقال: وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هين عليه وقوله: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [التوبة: 128] أي هو يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب.