حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 545
مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها هل يعقل أن يكون لها مدخل في أنفسها في خلق شيء من أجزاء العالم فتستحق به العبادة؟ وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم أن للوسائط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقاء هذا العالم، والأجل في اللغة مدة الشيء والمراد به ههنا إما آخر مدة بقاء العالم ومنتهاها أو آخر مدة بقاء كل أحد. وكلمة «ما» في قوله تعالى: عَمَّا أُنْذِرُوا يجوز أن تكون موصولة أي عن الذي أنذروه من هول ذلك الوقت وأن تكون مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم و «عن» متعلقة بالإعراض. ثم إنه تعالى لما ذكر ما يدل على وجود الإله العزيز الحكيم العدل رتب عليه الرد على عبدة الأصنام فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
قوله: (أي أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها) إشارة إلى أن النكتة في التعبير عن الإخبار الذي هو السبب عن الرؤية هي الحث على النظر والتأمل ثم طلب الإخبار بعده.
وقوله تعالى: أَرُونِي بعد قوله: أَرَأَيْتُمْ يحتمل أن يكون تأكيدا له لأنهما بمعنى أخبروني، وعلى هذا يكون المفعول الثاني «لأرأيتم» هو قوله: ما ذا خَلَقُوا ومفعول الأول هو قوله: ما تَدْعُونَ ويحتمل أن لا يكون مؤكدا له وعلى هذا تكون المسألة من باب التنازع لأن أرأيتم يطلب ثانيا وأروني كذلك، وقوله: «ماذا خلقوا» هو المتنازع فيه وأعمل فيه الثاني وحذف مفعول الأول وقوله: «من الأرض» بيان للإبهام الذي هو في قوله: «ماذا خلقوا» ، و «أم» في قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ منقطعة. أضرب عن الاستفهام الأول إلى الاستفهام عن أن لهم مشاركة مع اللّه في ملك السموات وخلقها فإن الشرك بمعنى المشاركة والمعنى: إن العبادة عبارة عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم فلا تليق إلا بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام وهو من تفرد بخلق الكائنات وترزيقها والتدبير فيها على أصلح الوجوه ومن لا يقدر على شيء من أجزاء هذا العالم كيف يجوز إشراكه باللّه العزيز الحكيم؟ فإنه لا يجوز أن يشرك به في العبادة إلا من يشاركه فيما يستحق به العبادة وهو خلق الكائنات وتدبير أمرها.
قوله: (وتخصيص الشرك بالسموات) يعني أن الظاهر في الاحتجاج على المشركين أن يقال:
أخبروني أن الذين تعبدون من دون اللّه هل يعقل أن يضاف إليهم خلق جزء من أجزاء هذا العالم بالاستقلال؟ فإن لم يصح ذلك فهل يجوز أن يقال إنهم أعانوا خالق العالم في خلق جزء من أجزاء العالم أي جزء كان في السموات والأرض؟ فإن لم يصح ذلك أيضا صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو اللّه تعالى وأنه هو المنعم بجميع أقسام النعم. فيجب أن يخص العبادة به تعالى فكيف يصح أن يشرك به غيره في استحقاق العبادة؟ لكنه عدل عن أن يقال هكذا إلى فاعليه نظم التنزيل لأنه لو قيل: ماذا خلقوا من أجزاء هذا العالم بالاستقلال أم لهم شرك في خلق جزء من أجزائه، لا يحتمل أن يقولوا: نشرك ما نعبده وإن لم يكن