حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 549
الخفيف. وقرئ بفتح الدال على أنه كقيم أو مقدر بمضاف أي ذا بدع. وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ في الدارين على التفصيل إذ لا علم لي بالغيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنهم طعنوا في الآيات المتلوة عليهم وقالوا في شأنها هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وقالوا في شأن من تلاها عليهم إنه اختلقها من عند نفسه ونسبها إليه تعالى بأنها كلامه افتراء عليه وأنه كاذب في كاذب في دعوى الرسالة، وكانت لهم مقالات أخر باطنة مثل قولهم: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: 94] وقولهم: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 7] وقولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: 5] وأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات العظيمة ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب، أمره اللّه تعالى أن يقول لهم:
ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ أي لست بأول مرسل أرسل إلى البشر فإنه تعالى قد بعث قبلي كثيرا من الرسل وكان كل واحد منهم بشرا يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، وكانوا يدعون إلى التوحيد وينهون عن الشرك وعبادة الأصنام، وأنهم لم يكونوا يأتون من الخوارق والمعجزات إلا ما آتاهم اللّه من آياته، ولا يخبرون بكل ما يسألون عنه من المغيبات، وإنما يخبرون بما أوحي إليهم منها وأنا واحد منهم، فكيف تنكرون مني أن ادّعي الرسالة مع أني بشر متصف بلوازم البشرية؟ وأنا أدعوكم إلى التوحيد وأنهاكم عن الشرك وأنا لا أقدر على ما لم يقدروا عليه من الإتيان بالمقترحات كلها؟ فإن هذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لم تكن قادحة في نبوتهم. قوله: (وقرئ بفتح الدال) إما على أنها صفة كالبدع بسكون الدال، فإن الصفة قد تجيء على وزن فعل كقيم وزيم يقال: دين قيم أي ثابت مقرر أو مستقيم وزيم. روى الجوهري عن الأصمعي أنه قال: اللحم الزيم المتفرق ليس بمجتمع في مكان. وإما على أنه جمع بدعة مقدر بمضاف أي ذا بدع، والبدعة الأمر المخترع الذي لم يكن موجودا قبل.
قوله: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدارين على التفصيل) اختلف في أن المراد بما نفى عنه علمه مما يفعل به وبهم من أحوال الدنيا أم من أحوال الآخرة. والمصنف حمله على ما هو أعم من أحوال الدنيا والآخرة لعموم اللفظ وعدم المخصص. ولما ورد أن يقال:
كيف يصح منه عليه الصلاة والسّلام أن يقول ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ في الدارين مع أنه عليه الصلاة والسّلام يعلم أنه نبي معصوم من الكبائر والزلات المهلكة، وأنه قدوة السعداء وأرفعهم منزلة في الدنيا والآخرة، وأن المؤمنين هم المنصورون، وأن جند اللّه هم الغالبون وإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22] وإِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62] وأن مصيرهم إلى النعيم المقيم ومصير الكفار إلى الجحيم؟
أشار إلى جوابه بقوله: «على التفصيل» يعني أن المنفي هو دراية خصوصات ما يفعل به وبهم