حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 616
شَدِيدٍ بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتد وأبعد رسول اللّه عليه السّلام فإنه تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام لا غير كما دل عليه قراءة أو يسلموا ومن عداهم يقاتل حتى يسلم أو يعطى الجزية. وهو يدل على إمامة أبي بكر رضي اللّه عنه إذ لم تتفق هذه الدعوة لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف وهوازن فإن ذلك كان في عهد النبوة. وقيل: فارس والروم ومعنى يسلمون ينقادون ليتناول تقبلهم الجزية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فجعل تعالى لقبول توبتهم علامة وهو أنهم يدعون بعد وفاته عليه الصلاة والسّلام إلى قوم أولي بأس شديد أي أولي قوة في الحرب. فمن أجاب منهم دعوة إمام ذلك الزمان وحاربهم فإنه تقبل توبته ويعطى الأجر الحسن. فلو لا أنه تعالى بيّن أنهم يدعون إلى حرب أولي بأس شديد فإن أطاعوا أعطوا الأجر الحسن لاستمر حالهم على النفاق كما استمر حال ثعلبة عليه فإنه قد امتنع من أداء الزكاة، ثم أتى بها فلم يقبل منه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واستمر على هذا الحال ولم يقبلها منه أحد من الصحابة فعلم تعالى من ثعلبة أن حاله لا يتغير فلم يبيّن لتوبته علامة، وعلم من أحوال الأعراب أنها تتغير فبيّن لتغيرها علامة فقال: إذا أطعتم من دعاكم إلى حرب أولي البأس الشديد تثابوا وتؤجروا في الدنيا والآخرة وإن تتولوا كما توليتم من قبل عن الخروج إلى الحديبية يعذبكم عذابا أليما. قوله تعالى: (أَوْ يُسْلِمُونَ) الجمهور على رفعه بإثبات النون عطفا على «تُقاتِلُونَهُمْ» بيانا لوجوب أحد الأمرين عليهم بحيث لا يكون لهما أمر ثالث، لأن أو لأحد الشيئين وينبئ عن الحصر كما في قولك: العدد زوج أو فرد. وقيل:
إنه مرفوع على الاستئناف تقديره: أو هم يسلمون. وقرئ «أو يسلموا» بالنصب بإضمار «أن» بمعنى إلا أن يسلموا أو بمعنى إلى أن يسلموا، فيكون ما بعد «أو» في تأويل مصدر مجرور «بأو» والتي بمعنى «إلى» واستدل المصنف بقوله تعالى: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ. وقرئ «أو يسلموا» بالنصب أي على أن المراد بقوم أولي بأس شديد هم المرتدون أو المشركون مطلقا سواء كانوا مشركي العرب أو العجم بناء على أن من عدا الطائفتين المذكورتين وهم أهل الكتاب والمجوس ليس الحكم فيهم أن يقاتلوا إلى أن يسلموا بل تقبل منهم الجزية بخلاف المرتدين، فمشركو العرب والعجم لا تقبل منهم الجزية بل يقاتلون حتى يسلموا.
وهذا عند الإمام الشافعي رحمة اللّه عليه. وأما عند الإمام أبي حنيفة رحمة اللّه عليه:
فمشركو العجم تقبل منهم الجزية كما تقبل من أهل الكتاب والمجوس والذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف إنما هم مشركو العرب والمرتدون فقط عنده. قوله: (إذ لم تتفق هذه الدعوة) أي دعوة المخلفين إلى قتال أولي البأس لم تتفق لغير أبي بكر فإنه دعاهم إلى قتال بني حنيفة وهم أهل اليمامة ورأسهم مسيلمة الكذاب. ووجه دلالة الآية على إمامة أبي بكر أنها أوجبت على المخلفين طاعة من يكون إماما حقا فيكون أبو بكر إماما حقا لم يدعوهم