حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 633
أو لا تتقدموا. ومنه مقدمة الجيش لمتقدميهم، ويؤيده قراءة يعقوب «لا تقدموا» وقرئ «لا تقدموا» من القدوم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مستعار مما بين الجهتين المسامتتين ليدي الإنسان تهجينا لما نهوا عنه، والمعنى: لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به. وقيل: المراد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمعنى العطاء بل بمعنى الإعطاء مع قطع النظر عن تعلقه بالمعطي أي يفعل فعل الإعطاء، فكذا معنى الآية لا تفعلوا فعل التقديم رأسا وبالكلية. قوله: (أو لا تتقدموا) أي ويحتمل أن يكون التقديم لازما بمعنى التقدم، فإنه يقال: قدم بين يديه بمعنى تقدم، ومنه مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منهم، ومنه وجه بمعنى توجه. و «بين» بمعنى تبين نهي عن التقدم لأن التقدم بين يدي المرء خروج عن صفة المتابعة وإشعار بالاستقلال في الأمر، فيكون التقدم بين يدي اللّه ورسوله منافيا للإيمان. وأشار المصنف إلى هذا الاحتمال بقوله: «أو لا تتقدموا» وأيده بقراءة من قرأ «لا تقدموا» بالفتحات الثلاث المتوالية وتشديد الدال أصله لا تتقدموا فحذف إحدى التاءين كراهة اجتماع المثلين في أول الكلمة. وقرئ «لا تقدموا» بفتح التاء والدال وسكون القاف من قدم من سفره يقدم قدوما من باب علم أي لا تقدموا إلى أمر من أمور الدنيا قبل قدومه ولا تعجلوا عليه. قوله: (مستعار مما بين الجهتين المسامتتين) أي الكائنتين في سمت يدي الإنسان يريد أنه استعارة مبنية على المجاز المرسل. ووجه المجاز فيه أنه عبّر عن الجهتين باليدين لكونهما على سمت اليدين، فإن جهة اليمين واقعة على سمت اليد اليمنى وجهة الشمال واقعة على سمت اليد اليسرى، فالتعبير باليدين من قبيل تسمية الشيء باسم ما يدانيه ويحاذيه. فإذا كان لفظ اليدين بمعنى الجهتين كان بين اليدين بمعنى بين الجهتين والجهة التي بينهما هي جهة الأمام فقولك: جلست بين يديه بمعنى جلست أمامه، وإذا قيل: بين يدي اللّه امتنع أن يراد به الجهة والمكان فيكون استعارة تمثيلية. شبّه حال ما وقع من بعض الصحابة من القطع في أمر من أمور الدين قبل أن يحكم به اللّه ورسوله بحال من يتقدم في المشي في الطريق مثلا لوقاحته على من يجب أن يتأخر عنه ويقفو أثره تعظيما له، فعبّر عن الحالة المشبهة بما يعبّر به عن المشبه بها. والمراد من الاستعارة تهجين الحالة المشبهة فإن الحالة المشبهة بها لما كانت قبيحة مستهجنة في العادة ومنافية لمقتضى التعظيم والمتابعة كانت ما شبّه بها مستهجنة أيضا، وهذا التهجين هو النكتة في الاستعارة المذكورة. فمعنى الآية: لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به ويأذنا فيه فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل وإما مقتدين بالنبي المرسل عليه الصلاة والسّلام. قال مجاهد والحسن: نزلت الآية في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة كأنه قيل: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي عليه الصلاة والسّلام، وذلك أن ناسا ذبحوا قبل صلاة النبي فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وهو مذهبنا إلى أن تزول الشمس. وعند الإمام الشافعي أيضا يجوز إذا مضى من