حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 634
بين يدي رسول اللّه وذكر اللّه تعظيما له وإشعارا بأنه من اللّه بمكان يوجب إجلاله وَاتَّقُوا اللَّهَ في التقديم أو مخالفة الحكم إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (1) بأفعالكم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ أي إذا كلمتموه فلا تجاوزها أصواتكم عن صوته. وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته محاماة على الترجيب ومراعاة للأدب. وقيل: معناه ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا وخاطبوه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوقت ما يسع الصلاة. عن البراء قال: خطبنا النبي عليه الصلاة والسّلام يوم النحر فقال:
«إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب نسكنا ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء» . وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها نزلت في النهي عن الصوم يوم الشك أي لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. قال مسروق: كنا عند عائشة يوم الشك فأتى بلبن فناولتني فقلت: إني صائم قالت عائشة: قد نهى عن هذا، وتلت هذه الآية فقالت: هذه في الصوم وغيره. وقيل: هي عامة في كل قول وفعل وهو الظاهر. أرشدهم اللّه إلى أن يتأدبوا باتباع الشارع في كل ما عنّ لهم من قول وفعل وإيجاب وسلب، ثم نهاهم وزجرهم عما يرتكبه بعض القاصرين من رفع أصواتهم وندائهم إياه من وراء الحجرات وتركهم التصبر إلى أن يخرج إليهم لأن من خصه اللّه تعالى بالمنزلة الرفيعة والكرامة العالية يجب أن يتهيب منه ويخفض بين يديه الصوت، ولا يجترأ على مناداته عند اختياره الاستراحة وإلجائه إلى الخروج إليهم استحياء.
قوله: (وذكر اللّه تعالى تعظيما له) حيث جعل ذكر اسمه تعالى توطئة وتمهيدا لذكر اسمه عليه الصلاة والسّلام ليدل على قوة اختصاصه عليه الصلاة والسّلام به إذ ذكره بطريق العطف عليه يدل عليها لا محالة، كما يقال: أعجبني زيد وكرمه في موضع أن يقال:
أعجبني كرم زيد للدلالة على قوة اختصاص الكرم به. ويؤيد هذا القول إن اللّه ذكر في هذه الآية وفيما بعدها إرشاد الأمة وتعليمهم ما يجب عليهم من إجلال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتعظيمه والتهيب منه والاحتراز عما ينافي ذلك، كالقطع بالأمر قبل أن يحكم به ورفع الصوت بمحضره وندائهم إياه من وراء الحجرات ونحو ذلك، وأنه تعالى أكد النهي عن التقديم بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ فإنه تصريح بأن من قدم بين يدي الرسول يستحق عقابه تعالى فلو لا قوة اختصاصه عليه السّلام بحضرته تعالى لما كان الأمر كذلك. قوله: (ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم) لما كان رفع الصوت والجهر بالقول مؤداهما واحد فتوهم أن النهي الثاني كالتكرير للأول، أشار إلى الفرق بينهما بأن معنى النهي الأول أنه عليه الصلاة والسّلام إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم فوق الحد الذي يبلغه صوته عليه الصلاة والسّلام