حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 645
الْأُخْرى تعدت عليها فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ ترجع إلى حكمه أو ما أمر به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يرجع إلى حكم الشرع واتباع الحق، فقال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ولم يقل «منكم» مع أن الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ تقبيحا لفعلهم لأن الإيمان من حقه أن يمنع مثل هذا العدوان ويقضي بالعدل والإحسان. و «طائفتان» مرفوع على أنه فاعل فعل محذوف وجوبا لكونه مفسرا بفعل مذكور بعده وهو قوله: «اقتتلوا» فلو ذكر الفعل الرافع للزم اجتماع المفسر والمفسر وهو غير جائز ونظيره قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [التوبة: 6] وإنما قلنا إنه فاعل فعل محذوف ولم نقل إنه مبتدأ وما بعده خبره، لأن كلمة «أن» حرف شرط فيجب أن تدخل على الفعل لفظا أو تقديرا.
قوله: (إلى حكمه أو ما أمر به) يعني أن الأمر مصدر أمر أي حكم فإما أن يكون على أصل معناه أو يكون بمعنى المأمور به وهو الإطاعة المدلول عليها بقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل، فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة وامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل ونصبوا إماما فالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة وأصروا على بغيهم قاتلهم الإمام حتى يتوبوا عن بغيهم ويجيبوا إلى طاعته.
ثم الحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقسم فيئهم، وإجهاز المجروح إتمام القتل عليه والمسارعة إلى قتله قبل أن يموت بسبب ما فيه من الجراحة ويعدى ب «على» ، وما أتلفته إحدى الطائفتين على الأخرى قبل أن تجمعوا وتجندوا أو حين تفرقوا وفرغوا من المقاتلة فهو مضمون على من أتلفه بالاتفاق، وما أتلف حال القتال أي بعد التجند وقبل التفرق فإن كانت الطائفة الباغية قليلة العدد بحيث لا منعة لها ولا قوة ضمنوا ما أتلفوه بعد أن فاؤوا بالاتفاق أيضا، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة ثم سكنت الحرب بينهم فلا يجب عليهم ضمان ما أتلفوه حال القتال إلا عند الإمام محمد بن الحسن فإنه يوجب الضمان مطلقا. وتفسير الآية بظاهره يؤيد مذهبه فإن قوله تعالى: فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ يدل على لزوم الضمان مطلقا إذا فاءت الطائفة الباغية عن البغي قليلة كانت أو كثيرة، فإن المراد بالإصلاح الواقع بعد فيء أهل البغي وارتفاع المقاتلة أن يحكم الحاكم حكما ملتبسا بالعدل فيما وجب على كل واحدة من الطائفتين من ضمان ما أتلفوه حال المقاتلة حتى لا يؤدي ذلك إلى ثوران الفتنة بينهما مرة أخرى، ومن لا يوجب عليهم الضمان يحمل الآية على كون الفائية قليلة العدد والإصلاح المذكور في الآية على معنى إصلاح ذات البين أي الحالة الواقعة بينهما من العداوة وما تؤدي هي إليه من المحاربة