حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 644
فإن الفضل فعل اللّه والرشد وإن كان مسببا عن فعله مسند إلى ضميرهم، أو مصدر لغير فعله فإن التحبيب والرشد فضل من اللّه وإنعام وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل. حَكِيمٌ (8) حين يفضل وينعم بالتوفيق عليهم.
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا تقاتلوا، والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالنصح والدعاء إلى حكم اللّه فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان صفة قائمة بالقوم إلا أنه مسبب عن فعله تعالى وهو التحبيب والتكريه، فإنه تعالى لو لم يحبب إليهم الإيمان ويكره إليهم الكفر والعصيان لما رشدوا فصار الرشد بهذا الاعتبار كأنه فعل اللّه تعالى كالفضل والإنعام، فجاز كونه تعليلا للراشدين لتحقق شرط انتصاب المفعول له فيه. أشار إلى جوابه بقوله: «والرشد وإن كان مسببا عن فعله تعالى» الخ وتقريره أن المراد بالفاعل من قام به الفعل وأسند هو إليه لا من أوجده، ومن المعلوم أن الرشد قائم بالقوم والفضل والإنعام قائمان به تعالى فلا اتحاد. قوله: (أو مصدر) عطف على قوله:
«تعليل» وشرط المفعول المطلق أن يتحد مع ناصبه في المعنى، والفضل متحد من حيث المعنى مع التحبيب والتكريه فجاز كونه مفعولا مطلقا لكل واحد منهما من حيث إن كل واحد منهما فضل وإنعام.
قوله: (والجمع باعتبار المعنى) جواب عما يقال: الظاهر أن يقال: اقتتلتا على لفظ تثنية الغائبة لكون الفعل مسندا إلى ضمير الطائفتين فلم قيل: «اقتتلوا» على لفظ جمع المذكر الغائب؟ وتقرير الجواب أن كل طائفة جمع فيكون الطائفتان جماعتين إلا أنهما يكونان حال الاقتتال في حكم جماعة واحدة لأن نسبة التقاتل تجمعهما ويمتنع امتياز كل واحدة منهما عن الأخرى فصارتا في معنى القوم والناس، فناسب بذلك أن يجمع الفعل المسند إليهما فلذلك قيل: «اقتتلوا» ، وثنى ضمير بينهما مع كونه عبارة عما عبّر عنه بضمير اقتتلوا لأن كل واحدة من الطائفتين منفردة عن الأخرى حال الصلح ويظهر تثنيتهما فلذلك ثنى ضميرهما عند تعلق الصلح بهما. ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه تعالى لما حذر المؤمنين عن اتباع النبأ الصادر من الفاسق بنى الحكم على تقدير أن يتفق ذلك ويلزم منه اقتتال طائفتين من المؤمنين كأنه قيل: إذا وقع بينكم تنازع بناء على قول الفاسق وأدى إلى التقاتل فعلى الإمام ومن يقوم مقامه من الحكام أن يصلح بينهما بالصلح والدعاء إلى حكم الشرع والعمل بمقتضى إخوة الإسلام، وبأن يذكرهما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: 90] فإن قبلا نصحه ورجعا عن الخلاف إلى الوفاق فيها، وإلا فعليه أن يمنع الباغي منهما عن ذلك بأي طريق أمكن، فإن لم يمتنع وأصر على بغيه وأقدم على القتال فعلى الإمام أن يقاتله إلى أن