حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 660
عطف عدم الارتياب على الإيمان بكلمة «ثم» فالتراخي زماني. قوله: (في طاعته) فإنها هي السبيل المؤدي إلى مرضاة اللّه تعالى وثوابه. قوله: (والمجاهدة بالأموال والأنفس) يعني أن المجاهدة بالأموال لا تختص بتقوية الغزاة بما عنده من المال بل تعم جميع العبادات المالية، وكذا المجاهدة بالأنفس لا تختص بالغزو بل تعم جميع العبادات البدنية. قوله تعالى: (هُمُ الصَّادِقُونَ) قصر إفراد وتكذيب لأعراب بني أسد حيث اعتقدوا الشركة وزعموا أنهم صادقون أيضا في دعوى الإيمان. قوله: (لما نزلت الآية المتقدمة) وهي قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ والمراد بهذه قوله تعالى: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ والاستفهام للتوبيخ والإنكار أي لا تعرفوا اللّه بدينكم فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء.
قوله: (وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن يزلها) أي لا يطلب الثواب وهو العوض وموليها أي معطيها يقال: أزللت إليه نعمة أي أعطيتها. وفي الحديث: «من أزلت إليه نعمة فليشكرها» . وأزللت إليه شيئا أي أعطيت. قوله: (من المن) المن في الأصل القطع قال تعالى: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: 6] أي مقطوع، ثم نقل منه إلى معنى الإنعام والإفضال على المحتاج لمجرد قطع حاجته أي مع قطع النظر عن أن يثيبه المحتاج أي يعوضه شيئا لاشتماله على معنى القطع يقال: منّ عليه منّا أي أنعم عليه وأفضل من غير استثابة وطلب عوض. ثم إنه قد يطلق ويراد به عد المصنوع منه وإنعاما واعتبارا بشأنه فيقال: منّ عليه صنيعه إذا اعتده عليه واعتبره منة وإنعاما. وقيل: النعمة الثقيلة من المن وهو رطلان يقال: منّ عليه منة إذا أثقله بالنعمة. قوله: (على ما زعمتم) دفع لما يقال من أن قوله: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ظاهره تسليم لإيمانهم وهو ينافي قوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولما كان معناه حقيقة ومعنى قوله: أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ أي هداكم له على زعمكم اندفعت المنافاة مع أن المنافاة إنما تتحقق أن لو كانت الهداية مستلزمة للاهتداء وليست كذلك لقوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: 17] قوله: (وفي سياق الآية لطف) جواب عما يقال: قوله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا يقتضي بظاهره أنهم سموا ما أحدثوه إسلاما وهم ما كانوا يسمونه إسلاما بل يسمونه إيمانا لقوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ففي الكلام نوع من المنافاة. فأجاب عنه بأن فيه نوعا من اللطافة ومحصوله أنه تعالى سمى ما صدر عنهم إسلاما لكونه إسلاما في الحقيقة وإن زعموا أنه إيمان وسموه به. وأدرج في تقرير اللطافة جواب ما دفعه بقوله آنفا على ما زعمتم حيث قال: بل لو صح ادعاؤهم الإيمان فللّه المنة عليهم بالهداية له لا لهم.