حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 711
مِنْ قَبْلُ من قبل هؤلاء المذكورين إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (46) خارجين عن الاستقامة بالكفر والعصيان
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة. والموسع القادر على الإنفاق لموسعون السماء، أو ما بينها وبين الأرض، أو الرزق.
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها مهدناها لتستقروا عليها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (48) أي نحن
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ من الأجناس خَلَقْنا زَوْجَيْنِ نوعين لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فيعلموا أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات لا يقبل التعدد والانقسام.
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ من عقابه بالإيمان والتوحيد وملازمة الطاعة. إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ أي من عذابه المعد لمن أشرك أو عصى نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) بين كونه منذرا من اللّه بالمعجزات أو مبين ما يجب أن يحذر عنه
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إفراد لأعظم ما يجب أن يفر منه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) تكرير للتأكيد، أو الأول مرتب على ترك الإيمان والطاعة والثاني على الإشراك.
كَذلِكَ أي الأمر مثل ذلك والإشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميتهم إياه ساحرا أو مجنونا. وقوله: ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واليبوسة إلى غير ذلك من أنواع الجواهر والأعراض، وكل نوعين منها زوج لا يستغني أحدهما عن الآخر ولا تتم المصلحة إلا بالمجموع. ثم قال: فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن يتذكروا فيعلموا أن التعدد من خواص الممكنات، وأنه تعالى فرد واحد بالذات لا يقبل التعدد والانقسام فتعرفوه بالوحدانية وتخصصوه بالعبادة.
والفاء في قوله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ للدلالة على سببية ما ذكر في الآية السابقة لما ذكر بعدها أي فإذا علمتم أن اللّه تعالى فرد لا نظير له ففروا إليه ووحدوه ولا تشركوا به شيئا في طاعته وعبادته وهو قوله: وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ أي لا تجعلوا مع المعبود بالحق معبودا آخر. قوله: (أو الأول مرتب) يعني أن لا تكرير فيه بناء على أن الأول تعليل للأمر والثاني تعليل للنهي، فإنه تعالى أمر أولا بالفرار إليه بالإيمان والطاعة وعقبه بقوله: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ تأكيدا للائتمار بالأمر المذكور، ثم نهى عن الشرك وعقبه أيضا كذلك تأكيدا للانتهاء عما نهى عنه.
قوله: (أي الأمر مثل ذلك) يعني أن محل الكاف الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والمعنى: أمر كل قوم بالنسبة إلى رسولهم مثل أمر كفار مكة معك من حيث إن الرسل قبلك كذبوا كما كذبت وقيل فيهم أقوال مختلفة كما قيل فيك فلا تأس على تكذيب قومك إياك.