حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 712
كالتفسير له ولا يجوز نصبه «بأتى» أو ما يفسره لأن ما بعد «ما» النافية لا يعمل فيما قبلها
أَتَواصَوْا بِهِ أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوه جميعا. بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53) إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإصرار والعناد فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) على الإعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ.
وَذَكِّرْ ولا تدع التذكير والموعظة فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) من قدر اللّه إيمانه، أو من آمن فإنها تزداده بصيرة
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) لما خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة مغلبة لها جعل خلقهم مغبابها مبالغة في ذلك، ولو حمل على ظاهره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم فسر ما أجمله بقوله: كَذلِكَ فقال: ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. قوله: (ولا يجوز نصبه بأتى) بأن يكون صفة لمصدره المحذوف أي ما أتاهم من رسول إتيانا مثل إتيانك قريشا إلا قالوا، أو بما يفسره وهو قوله: إِلَّا قالُوا ساحِرٌ بأن يكون التقدير إلا قالوا قولا مثل قولك لأن هناك مانعا لفظيا وهو أن ما بعد «ما» النافية لا يعمل فيها قبلها والاستفهام في قوله تعالى: أَتَواصَوْا بِهِ للتعجيب والتوبيخ والضمير في «به» يرجع إلى القول المدلول عليه «بقالوا» . قال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون بناء على ظن أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر حتى نزل قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أي تنفع من علم اللّه أنه يؤمن. وقال الكلبي:
معناه عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم من حيث يزدادون به بصيرة. قوله:
(لما خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة) جواب عما يقال: حق اللام أن تدخل على الغرض المطلوب من الفعل وهو العلة الغائية الحاملة للفاعل على الفعل كما يقال: أكلت لدفع الجوع ولبست لدفع ألم البرد، ولم تدخل ههنا على الغرض لما ثبت من أنه تعالى لا يفعل فعلا لغرض وإلا لكان مستكملا بذلك الغرض وهو كامل في نفسه يستحيل أن يكون مستكملا بغيره، أو أن تدخل على غايته المترتبة على الفعل من الحكم والمصالح تشبيها لها بالغرض الحامل للفاعل على الفعل من حيث كونها منفعة مترتبة على الفعل، ومن حيث إن ذلك الفعل لو صدر من غيره تعالى لكانت تلك الغاية غرضا مطلوبا للفاعل كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29] فإن انتفاع الناس بما خلق في الأرض لما كان غاية مترتبة على خلقه وكان حاملا للخلق في الجملة إذا كان الخلق صادرا ممن يفعل لغرض شبه بالغاية المطلوبة من الفعل فأدخل عليها لام الغرض لذلك المعنى، فما معنى اللام في هذه الآية؟ وتقرير الجواب: نعم إن العبادة ليست غرضا مطلوبا