حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 713
مع أن الدليل يمنعه لنا في ظاهر قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] وقيل: معناه إلا لتأمرهم بالعبادة أو ليكونوا عباد إلى
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) أي ما أريد أن أصرفهم في تحصيل رزقي فاشتغلوا بما أنتم كالمحلوقين له والمأمورين به. والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم. ويحتمل أن يقدر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الخلق ولا غاية مترتبة على خلق كثير من الجن والإنس إلا أنها شبهت بالغاية المترتبة من حيث إن الجن والإنس خلقوا على صورة متوجهة إلى العبادة أي صالحة وقابلة لها فإنهما من حيث تتأتى منهما العبادة وأنهما هديا إليها بخلق أسبابها ودواعيها من الأدلة العقلية والنقلية فيهما صارا بذلك كأنهما خلقا للعبادة وأنها مترتبة على خلقهما، فلذلك أطلق عليها اسم الغاية ودخلت عليها لام الغاية مبالغة في خلقهما على تلك الصورة، ووصف الصورة بكونها مغلبة للعبادة لكونها بحيث تصدر عنها العبادة بسهولة لتحقق أسبابها وكثرة دواعيها فصارت بذلك كأنها جعلت غالبة عليها متمكنة فيها. ولما وجه الكلام بإخراج اللام عن ظاهر معناها بجعلها للمبالغة في خلقهما بحيث تتأتى منهما العبادة بسهولة أشار إلى وجه العدول عن الظاهر فقال: «ولو حمل على ظاهره» يعني أن المانع من حمل الكلام على ظاهره أمران:
أحدهما أن الدليل يمنع حمل الكلام على ظاهره وثانيهما أن حمله على ظاهره يستلزم تعارض الآيتين لأن من خلق لجهنم لا يكون مخلوقا للعبادة، ولما صرف الكلام عن ظاهره بأن جعلت العبادة شبيهة بالغاية ارتفع التعارض. قوله: (وقيل معناه) يعني قيل: إن لام الغاية وإن دخلت على العبادة ظاهرا إلا أنها في الحقيقة داخلة على ما هو سبب للعبادة وهو الأمر بها، فيكون من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب. روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال في تفسير الآية: إلا لآمرهم بالعبادة وأدعوهم إلى عبادتي. ويؤيده قوله تعالى:
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا [التوبة: 31] وقوله: إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ [البينة: 5] . قوله: (أو ليكونوا عباد إلى) فيه أن عبد بمعنى صار عبدا غير مستعمل ولا موجود في كتب اللغة. قوله: (إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم) إذ منهم من يحتاج إلى كسب عبده في نيل الرزق ومنهم من يكون له مال وافر ورزق واسع يستغني به عن حمل عبده على الاكتساب لكنه يستعين به في قضاء حوائجه بأن يستخدمه في طبخ الطعام وإحضاره بين يديه وغسل أوانيه وثياب نفسه وكنس بيته والقيام على مصالح دوابه ونحو ذلك، وهو تعالى مستغن عن جميع ذلك فلم يخلق عباده لينتفع بهم وإنما خلقهم وكلفهم بالأوامر والنواهي ليستعدوا لفضله ورحمته ويجتنبوا عن سخطه وعقابه بالتذلل والانقياد وإيثار طاعته على متابعة النفس والهوى. وظهر بهذا التقرير فائدة تكرير و «ما أريد»