حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 726
التوفيق. وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27) عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم.
وقرئ «ووقانا» بالتشديد.
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ من قبل ذلك في الدنيا نَدْعُوهُ نعبده أو نسأله الوقاية إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ المحسن. وقرأ نافع والكسائي بفتح همزة «أنه» الرَّحِيمُ (28) الكثير الرحمة
فَذَكِّرْ فأثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم:
فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بحمد اللّه وإنعامه بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) كما يقولون
أَمْ يَقُولُونَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التي بها وصلوا إلى دار النعيم بوعد اللّه تعالى. ويدل عليه قول المسؤولين في جوابهم: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ أي في الدنيا فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ والخوف من العذاب أصل التقوى كلها لأنه يدخل فيه خوف التقصير في الطاعة وخوف ملابسة المعصية فيجتنب عند ذلك عن كل واحد منهما بأقصى ما يمكن. لما وصف اللّه تعالى أهل الجنة بأنه يزوجهم بحور عين وبإخوانهم المؤمنين، وأنه يلحق بهم ذريتهم المشاركين لهم في أصل الإيمان، وأنه يمدهم في كل وقت بما يشتهون وأنهم يتناولون فيها كأسا يطوف عليهم بها الغلمان الموصوفون، قال بعده:
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ على ما هو عادة أهل المجلس يشرعون في التحادث ليتم به استئناسهم كما قيل:
وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
أي الخمر. قوله: (عذاب السموم) السموم في الأصل الريح الحارة التي تدخل المسام، أطلق على نار جهنم على سبيل الاستعارة تشبيها لها به في نفوذ حرها. ولما قرر فوز المتقين بالسعادة لأجل التذكير والانتفاع بالموعظة قال: فَذَكِّرْ أي فذكر ولا تبال بما قالوا في حقك إنه كاهن أو مجنون فإنك بحمد اللّه بريء مما يقولون: فإن من كان أرجح عقلا وصدقا وأمانة ووقارا أبعد حالا من الجنون والكهانة مع أن الجنون والكهانة متناقضان لا يجتمعان في شخص، لأن الكهانة تقتضي التدبر والفراسة فأين هى من الجنون؟ والكاهن من يخبر عن المغيبات الآتية من غير وحي. وقوله تعالى: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ حال من المنوي في كاهن وقوله: بِكاهِنٍ منصوب المحل على أنه خبر «ما» وقوله: وَلا مَجْنُونٍ عطف عليه والتقدير: ما أنت كاهنا ولا مجنونا ملتبسا بنعمة ربك أي بإنعامه عليك بجميع الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة التي أفضلها النبوة والوحي وبحمده فهي حال لازمة لأنه عليه الصلاة والسّلام لم يفارق هذه الحال. ويجوز أن تكون الباء في قوله: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ للقسم المتوسط بين اسم «ما» وخبرها ويكون جواب القسم حينئذ محذوفا لدلالة هذا المذكور عليه والتقدير: بنعمة ربك ما أنت بكاهن ولا مجنون. قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ) قال المصنف في آخر الآيات «أم» في هذه الآيات منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار. رد اللّه تعالى أولا قولهم في حقه عليه الصلاة والسّلام إنه كاهن ومجنون فقال: (ما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا)