فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 727
شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) ما يقلق النفوس من حوادث الدهر: وقيل: المنون الموت فعول من منه إذا قطعه.
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي.
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ عقولهم بِهذا بهذا التناقض في القول، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى عقله، والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل، ولا يتأتى ذلك من المجنون. وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه. أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (32) مجاوزون الحد في العناد وقرئ «بل هم»
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ اختلقه من تلقاء نفسه. بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33) فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم.
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ مثل القرآن. إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34) في زعمهم إذ فيهم كثير ممن عدوا فصحاء فهو رد للأقوال المذكورة بالتحدي. ويجوز أن يكون ردا للتقول، فإن سائر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(مجنون) ثم أضرب عن إنكار قولهم هذا إلى إنكار قولهم فيه إنه شاعر فقال: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ وقوله: نَتَرَبَّصُ بِهِ في موضع الرفع على أنه صفة «شاعر» وصفوا الشاعر به لأنهم كانوا يحترزون عن إيذاء الشعراء ويقولون: الشعر يحفظ ويدوّن فلا نعارضه مخافة أن يغلبنا بقوة شعره بل نصبر ونتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء وحينئذ يتفرق أصحابه، فإن أباه قد مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه. قوله تعالى:
(قُلْ تَرَبَّصُوا) ليس أمر إيجاب أو ندب أو إباحة لأن تربصهم هلاكه عليه الصلاة والسّلام حرام لا محالة فهو أمر تهديد كما يقول السيد لعبده: استمر وافعل ما شئت فإني غير غافل عنك.
قوله: (ما يقلق النفوس من حوادث الدهر) يريد أن الريب بمعنى الرائب من قولهم:
رابه الدهر وأرابه أي أقلقه وأن المنون هو الدهر، وهو قول الكسائي والأخفش والفراء، سمي به الدهر لأنه يقطع قوة الإنسان فإن المنون من المن وهو القطع يقال منه: إذا قطعه، فريب المنون عبارة عن حوادث الدهر وتقلبات الزمان التي تورث قلقا واضطرابا للنفوس.
وقيل: سميت ريبا تشبيها لها بالريب الذي هو الشك في التزلزل وعدم الثبات. وقال الخليل: المنون الموت سمي منونا لأنه يقطع العمر وريبه أوجاعه. ثم أضرب عن توبيخهم والإنكار عليهم بنسبة المقالات المتناقضة إليهم في حقه عليه الصلاة والسّلام إلى نسبتهم إلى السفه والجهل الذي حملهم عليها فقال: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا التناقض في القول كأنه قيل: دع تفوههم بهذه المقالات المتناقضة وانظر إلى ما فيهم مما أقبح من ذلك وهو أنهم سفهاء ليسوا من أهل التمييز. ثم أضرب عن إنكار كونهم من العقلاء المتبصرين إلى ما هو أدخل في الذم بالنسبة إلى نقصان العقل فقال: أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ كأنه قيل: دع كونهم