حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 728
الإقسام من الأقوال ظاهر الفساد.
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدر، فلذلك لا يعبدونه، أي ومن أجل لا شيء من عبادة ومجازاة. أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (35) يؤيد الأول فإن معناه: أم خلقوا أنفسهم ولذلك عقبه بقوله: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ و «أم» في هذه الآيات منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار. بَلْ لا يُوقِنُونَ (36) إذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض وقالوا اللّه إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سفهاء عديمي العقل والقول بأن المؤدي إلى تلك الأقوال المتناقضة سفههم وجهلهم، وانظر إلى طغيانهم ومجاوزتهم الحد في العناد فإنه هو الحامل لهم على تلك المقالات. ثم أضرب عن الإنكار عليهم بمجاوزتهم الحد في العناد إلى توصيفهم بما هو أبلغ في الذم وهو أن ينسبوا إليه عليه الصلاة والسّلام أن يختلق القرآن من تلقاء نفسه ثم يقول إنه من عند اللّه افتراء عليه وهو أقبح من الطغيان الذي هو مجاوزة الحد في العناد، لأن الافتراء أبعد شيء من حاله لاشتهاره بالصدق لا سيما أن يفتري على اللّه تعالى مع أن كونه مفتريا مع كونهم عاجزين عن إتيان بأقصر سورة منه متنافيان. والتقول: تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب. ثم كذبهم ونسبتهم التقول إليه عليه الصلاة والسّلام فقال: بَلْ لا يُؤْمِنُونَ أي ليس الأمر كما زعموا من احتمال تحقق شيء من المطاعن فيه بل إنهم لا يؤمنون بنبوته وبالقرآن عنادا واستكبارا مع وضوح دلائل حقيتهما. ثم ألزمهم الحجة وبيّن أنهم طاغون معاندون في جميع ما ذكروه من المطاعن فقال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ والفاء فيه للسببية أي إن كان الأمر كما زعموا أنه كاهن أو مجنون أو شاعر ادّعى الرسالة وتقوّل القرآن من عند نفسه فليأتوا بحديث مثله، فإنه عليه الصلاة والسّلام في حد نفسه واحد منهم فيجب أن يقدروا على ما قدر هو عليه بنفسه فإذا لم يقدروا على إتيان مثال ما أتى به تعين أن ما أتى به كلام إلهي واجب القبول وأنه عليه الصلاة والسّلام رسول مؤيد من عند اللّه. قوله: (أم أحدثوا وقدروا من غير محدث) على أن كلمة «من» لابتداء الغاية أي بل أيقولون إنهم خلقوا من غير خالق خلقهم وموجد أوجدهم، وعلى الثاني تكون «من» للسببية بمعنى خلقوا لغير شيء أي عبثا أم يدعون أنهم خلقوا أنفسهم فلما لم يمكنهم أن يدعوا واحدا من هذين الأمرين ضرورة استحالة الخلق بل كانوا مضطرين إلى الإقرار بأن لهم صانعا غيرهم فما الذي يمنعهم عن إفراده بالعبادة وعن إثبات القدرة له على الإعادة؟ ووجه تعلق الآية بما قبلها أنهم لما كذبوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونسبوه إلى الكهانة والجنون والشعر استبعادا لما يدعوهم إليه من الاعتقاد بوحدانية الصانع وحقية أمر البعث والجزاء، ذكر ما يزيل استبعادهم ويدل على وحدانية المبدئ وحقية أمر المعاد ويستلزم ذلك صدق من يدعو إلى التوحيد وإخلاص العبادة له