حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 9
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) ما رآه ببصره من صورة جبرائيل أو اللّه تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يريدان بذلك أن كل واحد منهما يحامي عن صاحبه، فأوحى اللّه عز وجل إلى عبده محمد:
ما كذب فؤاد محمد فيما رأى. وروي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «رأيته بفؤادي ولم أره بعيني» . قوله: (من صورة جبريل أو اللّه تعالى) إشارة إلى الاختلاف الواقع بين فضلاء الأمة في أنه عليه الصلاة والسّلام هل رأى ربه ليلة الإسراء أولا، فأنكرته عائشة رضي اللّه عنها وقالت: من حدث أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: 51] وقالت: إن المرئي في قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى هو صورة جبريل حيث قالت: ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. ووافقها ابن مسعود رضي اللّه عنه في أن المرئي هو جبريل. وذهب جماعة كثيرة إلى أن المرئي هو اللّه تعالى وأنه عليه الصلاة والسّلام رأى ربه. ثم إنهم اختلفوا في أنه عليه الصلاة والسّلام هل رأى ربه بقلبه أو بعين رأسه؟ فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين. وقال أنس والحسن وعكرمة: رأى محمد ربه بعين رأسه.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: إن اللّه اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم على سائر الأنبياء والمرسلين بالرؤية. واعلم أن رؤية اللّه تعالى في الدنيا جائزة لأن دليل الجواز غير مخصوص برؤيته في الآخرة، ولأن مذهب أهل السنة أن الرؤية بالإرادة لا بقدرة العبد فإذا حصل العلم بالشيء من طريق البصر كان رؤية بالإراءة، وإن حصل من طريق القلب كان معرفة. فاللّه تعالى قادر على أن يحصل مدرك المعلوم في البصر كما قدر على أن يحصل مدرك المعلوم في القلب. والمسألة مختلف فيها بين الصحابة والاختلاف في الوقوع مما ينبئ عن الاتفاق على الجواز. وقوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ قرأه هشام وأبو جعفر بتشديد الذال والباقون بتخفيفها. و «ما» الأولى نافية والثانية موصولة وعائدها محذوف ومحلها النصب على أنها مفعول «كذب» المشددة وعلى نزع الخافض في قراءة التخفيف أي ما كذب الفؤاد في الذي رآه ببصره فلو قال: الفؤاد الذي يراه بصرك ليس بصحيح وأن الصورة المرتسمة بأعمال حاسة البصر ليست مطابقة لما نشأ في الارتسام في الحس المشترك كما إذا ارتسمت صورة الإنسان من شبح الإنسان المرئي من بعيد، وقال الفؤاد في حق الصورة المرتسمة في الحس المشترك: لا أعرفك حقا مطابقا للشبح المرئي، لكان كاذبا لأنه قد عرفها حقا واعتقد كونها مطابقة للشبح. قال المكي: من خفف «كذب» جعل «ما» في موضع النصب على نزع الخافض وإسقاطه أي ما كذب فؤاده فيما رآه بصره أي لم يقل فيه كذبا وإنما يقول الكذب فيه أن لو قال له: لا أعرفك ولا أعتقدك لأنه قد