حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 8
قابَ قَوْسَيْنِ مقدارهما أَوْ أَدْنى (9) على تقديركم كقوله أو يزيدون والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس.
فَأَوْحى جبريل إِلى عَبْدِهِ عبد اللّه وإضماره قبل الذكر لكونه معلوما كقوله: عَلى ظَهْرِها [فاطر: 45] ما أَوْحى (10) جبريل. وفيه تفخيم للموحى به أو اللّه إليه. وقيل:
الضمائر كلها للّه تعالى وهو المعنى بشديد القوى كما في قوله: هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58] ودنوه منه برفع مكانته وتداليه جذبه بشر شره إلى جناب القدس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى الاتحاد الكلي والاجتماع الأصلي، فكان بعد ذلك رضى أحدهما رضى الآخر وسخط أحدهما سخط الآخر فكأنهما قالا: أكدنا المحبة بيننا والتزمنا القربة فمقبولك مقبولي ومردودك مردودي. وفي معالم التنزيل: معنى قوله كان بين جبريل ومحمد صلوات اللّه عليهما مقدار قوسين، أنه كان بينهما مقدار ما بين الوتر والقوس كأنه غلب القوس على الوتر. وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. قوله: (أو أدنى على تقديركم) يعني أن كلمة «أو» فيه للشك من جهة العباد كما أن كلمة «لعل» كذلك في مواضع من القرآن أي لو رآهما راء منكم لقال: هو قدر قوسين في القرب أو أدنى، إذ لا يلتبس عليه مقدار القرب. وكما في قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] فإنه تعالى عالم بمقادير الأشياء فخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة بيننا. قوله: (وفيه تفخيم للموحى به) أي في قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى على تقدير أن يكون المنوي في كل واحد من الفعلين ضمير جبريل عليه الصلاة والسّلام تفخيم لما تقرر من أن التعريف بالموصول قد يكون للتفخيم كما في قوله: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ [طه: 78] أي الذي لا يكتنه كنهه ولا يقادر قدره. قوله: (أو اللّه إليه) على أن يكون المنوي في الفعل الأول ضمير جبريل، وفي الثاني ضمير البارئ أي فأوحى جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما أوحى اللّه تعالى إليه.
قوله: (وقيل الضمائر كلها للّه) أي ثم دنا اللّه تعالى من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى آخر الآية، وكذا موصوف شَدِيدُ الْقُوى هو اللّه تعالى كقوله: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ[الرحمن:
1، 2]والقوى جمع القوة فقوله: فَاسْتَوى الظاهر أن معناه حينئذ فاستوى القرآن في صدره أي في صدر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين علمه ربه، أو في صدر جبريل. وقيل: المعنى ثم دنا محمد عليه الصلاة والسّلام من ربه عز وجل دنو الرتبة والمنزلة وأعطاه المنية وإجابة الدعوة لا المكان والمسافة كقوله تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ [البقرة: 186] فَتَدَلَّى أي هوى للسجود فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ وهو تمثيل لكمال دنوه من ربه على اصطلاح العرب، فإن المحبين والحليفين في الجاهلية كانا إذا أرادا عقد الصفاء في الود والمحبة ألصقا قوسيهما