حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 7
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) أفق السماء والضمير لجبرائيل.
ثُمَّ دَنا من النبي فَتَدَلَّى (8) فتعلق به وهو تمثيل لعروجه بالرسول. وقيل: «ثم» تدلى من الأفق الأعلى فدنا من الرسول، فيكون إشعارا بأنه عرج به غير منفصل عن محله تقريرا لشدة قوته فإن تدلى استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة يقال: دلى رجله من السرير وأدلى دلوه والدوالي الثمر المعلق.
فَكانَ جبريل كقولك: هو مني معقد الإزار، أو المسافة بينهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رآه أحد من الأنبياء على حقيقته الأصلية غير محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، فإنه عليه الصلاة والسّلام رآه على صورته مرتين رآه مرة في الأرض أي في جبل حرا، وقيل: بأجياد وهو جبل بمكة طلع جبريل عليه السّلام من جانب المشرق وهو الأفق الأعلى فملأ الأفق وسد الأرض وملأها، فخر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مغشيا عليه فنزل جبريل في صورة الآدمي فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه. ورآه أخرى بتلك الصورة وهو في السماء عند سدرة المنتهى وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [النجم: 13، 14] وقوله تعالى: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى جملة اسمية في موضع الحال من المنوي في «استوى» . قوله: (فتعلق به) دفع لما يقال: الظاهر أن يقال: ثم تدلى إليه فدنا منه لأن التدلي سبب للدنو فلا يتفرع على الدنو بل الدنو يتفرع عليه. ووجه الدفع أن التدلي هو الاسترسال مع التعلق وجرد ههنا لمعنى التعلق الذي هو متفرع على الدنو. روي عن الإمام الواحدي أنه قال: تقديره: ثم تدلى فدنى من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حتى صار بعد ما بينهما قدر قوسين على التقديم والتأخير. وقيل: دنى بمعنى قصد القرب منه عليه السّلام وتحول عن المكان الذي كان فيه فتدلى أي فنزل إليه لأن التدلي وإن كان بمعنى الامتداد من علو إلى سفل يستعمل أيضا في النزول من العلو بالانتقال عنه. قوله: (كقولك هو مني معقد الإزار) أي في كونه عبارة عن غاية القرب، فإن قابَ قَوْسَيْنِ خبر «كان» فلو جعل اسم «كان» ضمير جبريل عليه السّلام لزم منه أن يحكم عليه بأنه قاب قوسين أي قدرهما والشخص لا يكون مقدارا فأوله بأنه من قبيل قولك: هو مني معقد الإزار في كونه عبارة عن غاية القرب فإن أصل الكلام أن يقال: فكان قرب جبريل من محمد عليهما الصلاة والسّلام مثل قرب إحدى القوسين من الأخرى، فحذف المضاف وأداة التشبيه للمبالغة في بيان قربه منه كما يقال: هو مني معقد الإزار، والأصل أن يقال: قربه مني واتصاله بي كاتصال معقد الإزار بي فعدل عنه إلى هذه العبارة لقصد المبالغة. قوله: (أو المسافة بينهما) عطف على قوله: «جبريل» والقاب المقدار و «قاب قوسين» عبارة عن كمال القرب. وفي التيسير: كانت عظماء العرب إذا أرادوا تأكيد عهد وتوثيق عقد لا ينقض ولا يرفض أحضر المتعاقدان قوسيهما فجمعا بينهما وقبضا عليهما ونزعاهما جميعا ورميا عنهما سهما واحدا يشيران بذلك