حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 11
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب «أفتمرونه» أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته، أو أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده و «على» لتضمين الفعل معنى الغلبة فإن المماري والجاحد يقصد أن بفعلهما غلبة الخصم.
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) مرة أخرى فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها إشعارا بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضا بنزول ودنو. والكلام في المرئي والدنو ما سبق. وقيل: تقديره ولقد رآه نازلا نزلة أخرى ونصبها على المصدر والمراد به نفي الريبة عن المرة الأخيرة.
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) التي ينتهي إليها علم الخلائق، أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
به فما الحكمة في إيراده بصيغة المضارع؟ فالجواب أنه على حكاية الحال الماضية إحضارا للحالة البعيدة في ذهن المخاطبين وتعجيبا لهم. قوله: (وقرأ حمزة الخ أفتمرونه) أي بفتح التاء من غير ألف بعد الميم على أنه من فعله المسند إلى الغالب في باب المغالبة أو من مريته حقه إذا علمته وجحدته إياه. قوله: (مرة أخرى) يعني أن نزلة لما كان اسما للمرة من الفعل أقيمت مقامها فكانت في حكمها في كونها منصوبة على الظرفية. وقيل: إنها منصوبة على أنها مفعول مطلق واقع موقع عامله المحذوف المنصوب على أنه حال من مفعوله رآه أي رآه نازلا نزلة أخرى. والواو في «ولقد رآه» يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون حالية أي كيف تجادلونه فيما رآه وتقولون: إنه لم ير جبريل وإنما رأى شيطانا كما يرى الكهنة الشياطين؟ وهو قد رآه على وجه لا شك فيه رآه مرتين: مرة بالأفق الأعلى أي بناحية من السماء التي هي أعلى أطراف الكون، ومرة عند سدرة المنتهى ليلة المعراج فرآه على صورته التي خلق عليها قال: «رأيته عند سدرة المنتهى وعليه ستمائة جناح يتناثر منها الدر والياقوت» . وهي مقام جبريل عليه السّلام أمّ فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ملائكة السماء كلها فكان إمام الأنبياء في بيت المقدس وإمام الملائكة عند سدرة المنتهى، فظهر بذلك فضله على أهل السماء والأرض. قال مقاتل: السدرة هي شجرة طوبى ولو أن رجلا ركب هجينه وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم لما وصل إلى المكان الذي ركب منه تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل وجميع ألوان الثمر. وقيل: هي شجرة غير طوبى ثابتة في يمين العرش فوق السماء السابعة تخرج أنهار الجنة من أصل تلك الشجرة، وإضافة السدرة إلى المنتهى يحتمل أن تكون من قبيل إضافة الشيء إلى مكانه كقولك: شجرة بلدة كذا ومكان كذا، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك. قوله: (والكلام في المرئي والدنو ما سبق) من أن المرئي هل هو جبريل أو اللّه عز وجل؟ فإنه روي عن كعب الأحبار أنه قال: إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم رأى ربه مرة أخرى فقال: إن اللّه تعالى كلم موسى مرتين وأدنى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين مرتين. وذهب أكثر المفسرين إلى أن الضمير البارز في «رآه» لجبريل والمعنى: