حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 12
أعمالهم، أو ما ينزل من فوقها ويصعد من تحتها. ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم يجتمعون في ظلها. وروي مرفوعا «أنها في السماء السابعة» .
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) الجنة التي يأوي إليها المتقون، أو أرواح الشهداء.
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) وتعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عد. وقيل:
يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون اللّه عندها.
ما زاغَ الْبَصَرُ ما مال بصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما رآه وَما طَغى (17) وما تجاوزه بل أثبته إثباتا صحيحا مستيقنا، أو ما عدا عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها.
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه عليه الصلاة والسّلام لما رجع من عند ربه ليلة الإسراء رأى جبريل على صورته عند سدرة المنتهى. وقوله: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى يجوز أن يكون حالا من مفعول «رآه» على تقدير أن يكون المرئي جبريل. وأما إذا كان المرئي هو اللّه تعالى فلا يجوز ذلك لأنه تعالى منزه عن أن يحل في زمان أو مكان، ويجوز أن يكون ظرفا «لرأى» على التقديرين: على أن يكون الظرف ظرفا للرائي ورؤيته لا للمرئي كما إذا قلت: رأيت الهلال في بيتي. وقوله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ في محل النصب على أنه بدل من قوله نزلة أخرى وقد مر أنه منصوب أي رأى محمد جبريل عليهما الصلاة والسّلام إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قيل:
يغشاها الملائكة حتى تغطي السدرة. روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكا قائما يسبح اللّه تعالى» . وفي إبهام «ما يغشى» تعظيم وتكثير لما يغشاها من الخلائق، والغشيان يكون بمعنى التغطية والستر ويكون بمعنى الإتيان أيضا وهو المناسب ههنا. قوله: (وقيل يغشاها الجم) عطف على معنى قوله: «ما يغشاها» بحيث لا يكتنهها نعت. واختلفوا فيما يغشى السدرة؛ فقيل: هو فراش من ذهب أو جراد من ذهب أو هو الملائكة الذين يعبدون اللّه عندها. وقيل: بل يغشاها أنوار اللّه تعالى لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصل إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل فظهرت الأنوار الإلهية عليها، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل الجبل دكا ولم تتحرك الشجرة وخرّ موسى صعقا ولم يتزلزل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (ولعلها شبهت بالسدرة) كأنه جواب عما يقال: العالم العلوي ليس فيه شيء مما هو في هذا العالم فلا يكون فيه شجرة النبق وهي شجرة الصنوبر، فما وجه قوله:
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى؟ فأجاب بأن شجرة النبق لما كان لها ظل مديد وطعم لذيذ ورائحة زكية شبهت بها شجرة المنتهى فأطلق عليها اسم السدرة على سبيل الاستعارة. قوله تعالى:
(ما زاغَ الْبَصَرُ) أي أي شيء رآه في تلك الليلة لم يمل بصره عنه قبل أن يستيقنه ويطلع على حقيقته، أو قصر نظره على ما أمر برؤيته ولم يلتفت يمينا ولا شمالا على أنه وصف له بالتأدب.