حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 32
أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر. وقوله:
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا عن تأملها والإيمان بها وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) مطّرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك، أو محكم من المرة يقال: أمررته فاستمر إذا أحكمته فاستحكم، أو مستبشع من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته أو مار ذاهب لا يبقى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآخر وبقي النصف الآخر في موضعه. وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها وهو قوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [النجم: 57] فكأنه تعالى أعاد ذلك مع الدليل، فإن انشقاق القمر من علامات نبوته عليه الصلاة والسّلام ونبوته وزمانه من أشراط الساعة. وأيضا أن من ينكر خراب العالم يقول: إن الأفلاك وما فيها من الكواكب لا يقبل الخرق والالتئام فإذا انشق بعضها ثبت بطلان ما قالوه، فعلى هذا يجوز أن يراد باقتراب الساعة استبعاد الأذهان والعقول لوقوعها لا اقتراب زمان وقوعها. قوله: (وقوله: وإن يروا) مرفوع بالعطف على فاعل قوله:
«ويؤيد الأول» أي ويؤيد وقوع الانشقاق في عهده عليه السّلام قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [القمر: 2] ووجه كونه مؤيدا لذلك أنه مسوق لذمهم بأن حالهم فيما يستقبل كحالهم فيما مضى وهي الإعراض عن تأمل الآيات والاهتداء بها إلى الحق الصريح، والذم بهذا الطريق إنما يحسن إذا رأوا قبله آية عظيمة وأعرضوا عنها ولم يرفعوا إليها رأسا. والتنكير في قوله: «آية للتعظيم» أي وأن يروا آية عظيمة وعلامة قوية كانشقاق القمر يعرضوا الخ.
قوله: (مطّرد) أي دائم متتابع يظهر من فاعله مرة بعد أخرى يريدون به ترادف المعجزات التي نسبوها إلى السحر، فإنه عليه الصلاة والسّلام كان يأتي في كل زمان بمعجزة قولية أو فعلية أرضية أو سماوية فقالوا: هذا سحر مستمر أي دائم لا يختص تعلقه بشيء دون شيء ولا بزمان دون زمان، بخلاف سحر السحرة فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على جميع الأمور في جميع الأزمان. قال المفسرون: لما انشق القمر قال المشركون: سحرنا محمد عليه الصلاة والسّلام فنستخبر السفار والقادمين، فلما قدموا سألوهم فأخبروهم أنهم رأوا ذلك فتعجبوا منه. قوله: (أو محكم) معطوف على «مطرد» . والمراد القوة والشدة فالسحر الذي يؤثر في الأجرام العلوية كما يؤثر في الأجرام السفلية يكون قويا مستحكما يقال: حبل مرير الفتل إذا اشتد فتله. ويحتمل أن يكون قوله مستمر من المرارة بمعنى سحر مر مستبشع، وأن يكون من المرور يقال: مر يمر مرا ومرورا أي ذهب واستمر مثله، ويقال: أمر الشيء إذا صار مرا وكذلك مر الشيء يمر بالفتح مرارة فهو مر واستمر مثله على أن استفعل بمعنى فعل كطاب واستطاب وقر واستقر فقولهم إنه:
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أي مار يذهب ويفنى تمنية منهم لأنفسهم وتعليلا لها وإطماعا في غير