حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 33
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وهو ما زين لهم الشيطان من رد الحق بعد ظهوره وذكرهما بلفظ المضي للإشعار بأنهما من عادتهم القديمة. وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدنيا وشقاوة أو سعادة في الآخرة، فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر. وقرئ بالفتح أي ذو مستقر بمعنى استقرار وبالكسر والجر على أنه صفة أمر و «كل» معطوف على «الساعة» .
وَلَقَدْ جاءَهُمْ في القرآن مِنَ الْأَنْباءِ أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) ازدجار من تعذيب أو وعيد. وتاء الافتعال دالا مع الدال والذال والزاي للتناسب. وقرئ «مزجر» بقلبها زايا وإدغامها.
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ غايتها لا خلل فيها وهي بدل من «ما» أو خبر لمحذوف. وقرئ بالنصب حالا مما فإنها موصولة أو مخصوصة بالصفة فيجوز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مطمع. قوله: (وذكرهما بلفظ المضي) مع أن الظاهر أن يقال: ويكذبوا ويتبعوا لكونهما معطوفين على قوله: «يعرضوا» و «يقولوا» . قوله تعالى: (وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) الجمهور على كسر قاف مستقر ورفعه على أنه خبر «كل» الواقع مبتدأ. وفسره المصنف بقوله: «منته إلى غاية» إشارة إلى أن الاستقرار كناية عن ملزومه وهو الانتهاء إلى الغاية، فإن عنده يتبين حقيقة كل شيء من الخير والشر والحق والباطل وتنكشف جلية الحال وتتضح الشبهة والالتباس.
فالحقائق إنما تظهر عند العواقب فإن لكل أمر غاية في الدنيا وكذا في الآخرة ينتهي إليها لا محالة فإذا انتهى إليها يستقر ويتم أمره ويتبيّن حاله. فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق أو باطل وسيظهر لهم عاقبته وكذلك أمر تكذيبه. فالآية وعيد للمشركين ووعد للرسول وللمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام: 67] أي كل نبأ وإن طالت مدته فلا بد أن ينتهي إلى غايته وتنكشف حقيقته من الحقية والبطلان. قوله: (وقرئ بالفتح) أي بفتح القاف على أنه مصدر ميمي بمعنى الاستقرار فلا بد من تقدير مضاف أي وكل أمر ذو استقرار. وقرئ بكسر القاف وجر الكلمة أيضا فيكون «كل أمر» مرفوعا بالعطف على فاعل «اقتربت» وهو الساعة. ثم إنه تعالى بعد ما أوعد كفار مكة بخذلانهم في الدنيا وشقاوتهم في العقبى ووعد الرسول والمؤمنين بالنصرة في الدنيا والسعادة في الآخرة، أمر رسوله عليه السّلام بأن يتولى عن دعوتهم ومناظرتهم بالحجة والبرهان وفرع الأمر بالإعراض على قوله: جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ تعليلا للأمر المذكور والأنباء هي الأخبار العظام فإن النبأ والأنباء لم يرد في القرآن إلا لما له وقع وشأن عظيم. والزجر المنع والنهي، وازدجر افتعل منه أصله ازتجر.
وقد تقرر أن تاء الافتعال إذا وقعت بعد الزاي والدال والذال تقلب دالا لأن الزاي حرف مجهور والتاء حرف مهموس فتقلب حرفا يناسب الزاي في الجهر ويناسب التاء في المخرج