فهرس الكتاب

الصفحة 4840 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 51

يتعدى إلى مفعولين حذف مفعوله الأول في الآية والتقدير: علم جبريل القرآن. وقيل: علم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: علم الإنسان القرآن. وهذا أولى لأن المقصود تعداد ما أنعم به على نوع الإنسان مطلقا حثّا على شكره وتنبيها على تقصيرهم فيه، ولأن قوله عقيبه: خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ يدل عليه. قوله: (صدّرها بالرحمن) جواب لما فوجب أن يكون مسببا عما قبله، فإن الرحمن لما كان أبلغ من الرحيم باعتبار الكيفية أي باعتبار أن الرحمة المدلول عليها بلفظ الرحمن هي جلائل النعم، فلذلك يقال: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، لأن النعم الأخروية كلها جسام فلا يقال له تعالى باعتبار تلك النعم رحيما، بخلاف النعم الدنيوية فإن منها ما هي جليلة ومنها ما دون ذلك فيوصف تعالى باعتبار تلك النعم بالرحمن كما يوصف به باعتبار النعم الأخروية، فصح أن يجعل قوله: «صدرها بالرحمن» مرتبا على كون السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية. قوله: (وقدّم ما هو أصل النعم) ليس معطوفا على قوله: «صدرها» بل هو جواب عما يقال: كيف قدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه مع أنه متأخر عن خلقه بحسب الوجود؟ فأجاب عنه بأنه قدم تعليم القرآن ثم اتبعه قوله: «خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ إيماء بأن خلق البشر» الخ يعني أن تعليم القرآن وإن كان متأخرا عن خلق الإنسان إلا أنه قدم عليه إيماء إلى أن خلق الإنسان ليس مقصودا لذاته بل المقصود الأصلي من خلقه، والحكمة الداعية إليه هو استكماله بحسب قوته النظرية العملية بمعرفة مبدئه ومعاده وأن يتحلى بعبادة ربه، وذلك إنما يكون بتلقي الوحي وتعرف ما يستنبط من علومه. فلما كان تعليم القرآن وتعرف أحكامه هو المقصود الأصلي والحكمة الداعية إلى خلق الإنسان استحق أن يقدم عليه لأن الأهم أقدم، فلذلك قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان وقدم خلقه على تعليم البيان لكون التعليم متفرعا على الخلق ضرورة أن الكمالات كلها من توابع أصل الوجود. ثم ذكر بعده تعليم البيان لكون تعليمه في حكم أصل الخلق من حيث إن المقصود منه أيضا تعليم القرآن وأحكام الشرع، لأنه لولا البيان لما تمكن من تعلم القرآن وتعليمه. وقوله: «مصدق لنفسه» أي بإعجازه وقوله: «ومصداق لها» أي لسائر الكتب السماوية لاشتماله على خلاصتها.

قوله: (لمجيئها على نهج التعداد) إذ مقام تعداد النعم والحث على شكرها والتنبيه على تقصير الإنسان فيه يقتضي إيرادها على نهج التعداد إذ به يظهر أن كل واحدة منها مستقلة في الاعتداد والاعتناء بشأنها منفردة عن النعم الباقية، ولو جيء بالعاطف صارت الكل كالنعمة الواحدة وفاتت هذه الفائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت