حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 52
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5) يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما وتتسق بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب.
وَالنَّجْمُ النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له. وَالشَّجَرُ الذي له ساق. يَسْجُدانِ (6) ينقادان للّه فيما يريد بهما طبعا انقياد الساجد من المكلفين طوعا. وكان حق النظم في الجملتين أن يقال: وأجرى الشمس والقمر وأسجد النجم والشجر، أو الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له لتطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتصالهما بالرحمن، لكنهما جردتا عما يدل على الاتصال إشعارا بأن وضوحه يغنيه عن البيان وإدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدلالة على أن ما يحس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يجريان بحسبان) إشارة إلى أن قوله: «الشمس» مبتدأ و «القمر» عطف عليه والخبر محذوف يتعلق به قوله: «بحسبان» ، وأن الحسبان مصدر بمعنى الحساب كالشكران والغفران والرجحان. وقيل: الحسبان جمع حساب كشهاب وشهبان وكل واحد منهما يجري بحساب في منازل لا يعدوها: فالشمس تقطع بروج السماء في ثلثمائة وخمسة وستين يوما، والقمر يقطعها في ثمانية وعشرين يوما. ثم إنه تعالى لما ذكر نعمة إيجاد نفس الإنسان الذي هو أصل جميع النعم وإنعامه عليه بتعليمه البيان، ذكر نعمتين عظيمتين سماويتين يترتب على نفس وجودهما وعلى كون حركتهما على حساب معلوم وقانون مقرر فوائد لا تحصى، ثم ذكر في مقابلتهما نعمتين أرضيتين وهما: النجم والشجر وكلاهما من قبيل النبات الذي هو أصل الرزق من الحبوب والثمار وحشيش الدواب. والنجم كل نبات ينجم من الأرض ولا يبقى له ساق في الشتاء، والشجر نبات يبقى ساقه. قوله تعالى: (يَسْجُدانِ) من قبيل الاستعارة التبعية شبه انقيادهما طبعا بانقياد المكلفين طوعا أي قصدا واختيارا، وهو المسمى بالسجود عند أهل اللغة فسمي المشبه باسم المشبه به. قوله: (وكان حق النظم في الجملتين) يعني أن هاتين الجملتين مثل الجمل السابقة واللاحقة في أنهما أخبار مترادفة للرحمن مثل تلك الجمل. ومن حق الخبر إذا كان جملة اشتماله على الضمير الراجع إلى المبتدأ كما في تلك الجمل إلا أنهما جردتا عن الضمير الرابط اعتمادا على وضوح المراد، فإنه من المعلوم أن الحسبان حسبانه الذي قدره لها وأن المسجود له هو الرحمن ولا يذهب الوهم إلى احتمال آخر. قوله: (وإدخال العاطف بينهما) لما بيّن أن الجمل الثلاث الأول أخليت عن العاطف لكون المقصود منها تبكيت من أنكر الرحمن وآلاءه بتعديد نعمه عليه واحدة بعد واحدة، وذلك يقتضي الإخلاء عن العاطف حتى يعلم أن كل واحدة نعمة مستقلة مع قطع النظر عن النعم الباقية، بيّن أنه أدخل العاطف بين الجملة الرابعة والخامسة جريا على ما يقتضيه ظاهر الحال. فإنه قد تقرر في علم المعاني أنه إذا أتت جملة بعد جملة أخرى وكان