حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 68
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ وهي ما يعلوهم من الكآبة والحزن. فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (41) مجموعا بينهما. وقيل: يؤخذ بالنواصي تارة وبالأقدام أخرى.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَها بين النار يحرقون بها.
وَبَيْنَ حَمِيمٍ ماء حار آنٍ (44) بلغ النهاية في الحرارة يصب عليهم أو يسقون منه. وقيل: إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه، أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين فأضيف إلى الرب تفخيما وتهويلا، أو ربه ومقام مقحم للمبالغة كقوله:
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لغاية طوله فيه مواطن كثيرة فيجوز أن يسأل في بعض المواطن ولا يسأل في آخر. والجان إن كان اسما للجن فالأمر ظاهر، وإن كان اسما لأبي الجن فالمراد به ههنا فروعه كما يطلق اسم الجد العالي على القبيلة.
قوله تعالى: (بِالنَّواصِي) قائم مقام الفاعل لقوله: فَيُؤْخَذُ والتقدير: بالنواصي منهم أو بنواصيهم وليس في قوله: فَيُؤْخَذُ ضمير يقوم مقام الفاعل يعود على المجرمين لأن العرب تقول: أخذت النصية وأخذت بالناصية، ولا تكاد تقول: أخذت الدابة بالناصية بأن تعدى «أخذ» إلى مفعولين إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بواسطة الباء، ولأنه لو كان فيه ضمير لوجب أن يقال: فيؤخذون لأجل تقدم ذكرهم. والنواصي جمع ناصية وهي شعر مقدم الرأس أي تأخذ الملائكة بنواصيهم أي بشعور مقدم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
قال الضحاك: يحتمل أن الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار. وقيل:
تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بالنواصي وتارة بالأقدام. عن أنس رضي اللّه عنه قال:
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق بألف عام، فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا على من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام» أجارنا اللّه تعالى منهم ومن جهنم بفضله وكرمه. ثم يقال لهم على وجه التقريع هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ أي التي كنتم تكذبون بها وتقولون إنها لا تكون على أن قوله: «المجرمون» ظاهر وضع موضع الضمير. ويجوز أن يكون هذا الكلام خطابا من اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في الدنيا أي قل لهم هذه صفة جهنم على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. ثم إنه تعالى أخبر عن حالهم فيها فقال: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ وهو الذي انتهى حره من أنى الحميم يأني أنيا فهو آن أي يعاقبون بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم. ومن قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ إلى