حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 69
جَنَّتانِ (46) جنة للخائف الإنسي والأخرى للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين. والمعنى: لكل خائفين منكما أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها والأخرى يتفضل بها عليه، أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هنا مواعظ ومزاجر وقد ذكرنا أن كل ذلك نعمة من اللّه تعالى للانزجار به عن المعاصي، وقد اكتفى المصنف بقوله آنفا: فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار من عداد الآلاء عن بيان كون كل ما ذكر من عقوبات الكفار من قبيل الآلاء. ثم شرع في بيان ثواب المتقين الخائفين فقال: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ذكر المصنف أولا أن المقام اسم لمكان يقوم فيه العباد للحساب وإضافة المقام إليه تعالى مع أن القيام فعل العباد لأجل الملابسة، فإنه تعالى مالك يوم الدين وأنه الذي بعث من في القبور وجمعهم في هذا المقام لأجل الحساب والجزاء، ثم ذكر احتمال أن يكون المقام مصدرا مضافا إلى فاعله بمعنى المراقبة والحفظ أي ولمن يعلم أن اللّه تعالى قائم عليه مراقب لأعماله فيخافه لذلك فيطيعه ويجتنب عن معصيته جنتان. قيل: جنة لخوفه من اللّه وجنة لتركه شهوته فالمقام بهذا المعنى صفة قائمة به تعالى لا بالخائف. وعلى الوجهين أي على تقدير كونه اسم مكان أو مصدرا كما أنه مضاف إلى الرب لفظا فهو مضاف إليه تعالى من حيث المعنى أيضا، والمعنى موقوف الرب أو قيام الرب. ثم ذكر احتمال أن يكون المقام مضافا إلى الخائف من حيث المعنى، ويكون المعنى خاف موقف نفسه عند ربه أو وقوف نفسه عنده لأجل الحساب إلا أنه أضيف إلى الرب تهويلا وتفخيما كما أن الأجل في الحقيقة للعبيد إلا أنه قد أضيف إليه تعالى في قوله: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ فإن الإضافة يكفي فيها أدنى الملابسة. ثم ذكر احتمال أن يكون لفظ «مقام» مقحما ويكون تقدير الكلام ولمن خاف ربه كما في قول الشاعر:
وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
اللجين الخبط وهو ما سقط من الورق عند الخبط. والخبط ضرب الشجر بالعصا ليسقط ورقها. وأروى اسم حبيبة الشاعر ونفيت عنه أي طردت وأبعدت عن ذلك الماء.
وخص القطا والذئب بالذكر لأن القطا أهدى الطير إلى الماء والذئب أهدى السباع إليه، فهما السابقان إلى الماء. والرجل اللعين شيء ينصب في وسط الزرع يستطرد به الوحوش. ومعنى البيت: ورب ماء قد وردته لأرى محبوبتي أروى وقد جاءت إليه لتغسل رأسها أو ثيابها.
وروي أن رجلا استفتى سفيان الثوري في رجل قال لزوجته: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق، فأفتى بأنه لا يحنث إن كان همّ بالمعصية وتركها خوفا من اللّه تعالى وحياء منه