حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 95
بسبق ذكرها وتخصيص ما يقصد لذاته ويكون أهم وفقده أصعب لمزيد التأكيد. فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ (70) أمثال هذه النعم الضرورية.
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) تقدحون
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72) يعني الشجرة التي منها الزناد.
نَحْنُ جَعَلْناها جعلنا نار الزناد تَذْكِرَةً تبصرة في أمر البعث كما مر في سورة يس أو في الظلام، أو تذكير، أو أنموذجا لنار جهنم وَمَتاعًا ومنفعة لِلْمُقْوِينَ (73) للذين ينزلون القواء وهي القفرا وللذين خلت بطونهم، أو مزاودهم من الطعام من أقوت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تقدحون) أي تقدحونها وتستخرجونها من الزناد وهو جمع زند يقال: ورى الزند وريا أي خرجت ناره وأوريته أنا، والزند العود الذي يقدح به النار وهو الأعلى، والزندة السفلى فيها ثقب وهي الأنثى فإذا اجتمعا قيل: زندان والجمع زناد. والقداح الحجر الذي يوري النار والعرب تقدح بعودين يحك أحدهما على الآخر ويسمون الأعلى منهما الزند والأسفل الزندة تشبيها لهما بالفحل والمطروقة. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: ما من شجر ولا عود إلا فيه النار سوى العناب فإن عوده لا نار فيه، ولهذا تدق أهل القصارة بخشبه ويدق عليه.
قوله: (كما مر في سورة يس) وهو قوله: فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيتها كان أقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضا فيبس وبلي. والتبصير والتبصرة التعريف والإيضاح كما أن التبصر التأمل والتعرف، فهو تعالى جعل النار تبصرة لأمر البعث أو تبصرة في ظلمة الليالي وتذكرة وأنموذجا لنار جهنم حيث علق بها معظم معاش الإنسان لتكون حاضرة عندهم في أكثر الأوقات ليذكروا بها نار جهنم. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام: «ناركم هذه التي توقدونها يا بني آدم جزء من سبعين جزء من حر جهنم» .
قوله: (للذين ينزلون القواء) أي من المسافرين وأهل البادية فإنهم أشد احتياجا إلى النار يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ويصطلون من البرد ويجففون ثيابهم ويصلحون طعامهم، إذ لا يوجد الطعام الحاضر في البوادي الخالية من السكان، فلذلك خص المقوين بالذكر مع أن المقيمين وأهل المدن يتمتعون بها أيضا. يقال: أقوى الرجل إذا نزل في الأرض القواء كما يقال: أصحر إذا نزل في الصحراء ويقال أيضا: أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها.
قال النابغة:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد