حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 101
أوقاته لأنه دلالة جبلية لا تختلف باختلاف الحالات. ومجيء المصدر مطلقا في بني إسرائيل أبلغ من حيث إنه يشعر بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال، وإنما عدي باللام وهو معدّى بنفسه مثل: نصحت له في نصحته إشعارا بأن إيقاع الفعل لأجل اللّه وخالصا لوجهه وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) حال يشعر بما هو المبدأ للتسبيح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزمان مقصودة في كل واحدة من الصيغتين بقيت دلالتهما على مطلق الزمان ولا أولوية لبعض أجزائه على بعض، فكأن كل واحدة منهما لاستمرار الأزمنة مع أن التسبيح لما أسند إلى جميع المكونات كان المراد به ما يعم التسبيح بالمقال وما يكون بدلالة الحال، لأنه الذي يمكن تحققه من الجميع وهو الدلالة الجبلية على تنزه الخالق عن جميع النقائص. فإن كل موجود ممكن ينزه خالقه عن الإمكان وقبول العدم بحسب وجوده الجبلي المستفاد من المؤثر، وعن العجز بحدوثه وتغير أحواله، وعن سائر النقائص بتنزيهه وتبليغه إلى كمالاته الممكنة بالأسباب السماوية والأرضية. وبالجملة كل موجود ممكن مفتقر بإمكانه الذاتي الجبلي إلى مؤثر واجب الوجود لذاته ضرورة استحالة الدور والتسلسل ووجوب الوجود كما أنه معدن كل كمال مبعد عن كل نقصان فثبت أن كل موجود ممكن يسبح ويبعد مؤثره عن كل نقصان بحسب ذاته وجبلته، فإن الإمكان الذاتي لما كان محوجا إلى مؤثر واجب الوجود لذاته وكان وجوب وجوده مستلزما لتنزهه عن كل نقصان كان كل ممكن مسبحا ومنزها لخالقه عن جميع النقائص لأجل إمكانه الذاتي اللازم له في جميع الأزمنة، فكان التسبيح المسبب عنه أيضا مستمرا في جميع الأزمنة فوجب أن تجرد كل واحدة من الصيغتين عن الدلالة على الزمان الذي هو مدلول الهيئة وتحمل كل واحدة منهما على استمرار الأزمنة.
قوله: (ومجيء المصدر مطلقا) أي عن الدلالة على الزمان والفاعل. قوله: (وهو معدّى بنفسه) كما في قوله: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 42] وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] ووَ يُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 206] وذلك لأن سبح بالتشديد منقول من سبح الثلاثي وهو لازم بمعنى ذهب وبعد، فعدي بتضعيف العين فالتشديد فيه للتعدية، فمعنى «سبحته» بعدته عن السوء. ولما كان متعديا بنفسه كانت اللام فيه لام الأجل والاختصاص وبكون الفعل منزلا منزلة اللازم ويكون معنى سَبَّحَ لِلَّهِ أحدث التسبيح وأوقعه لأجل اللّه تعالى وخالصا لوجهه من غير توقع ثواب وعوض كما يقال: نصحت لك للدلالة على إمحاض النصح للمنصوح من غير غرض للناصح فيه.
قوله: (حال يشعر بما هو المبدأ للتسبيح) فإن العزيز هو الغالب على كل شيء بحيث لا يتصور منازعته فيكون إشارة إلى كمال القدرة كما أن الحكيم إشارة إلى كمال العلم، لأنه