فهرس الكتاب

الصفحة 4907 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 117

والمنازل الرفيعة وتفاخر بالأنساب وتكاثر بالعدد والعدد ثم قرر ذلك بقوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وهو تمثيل لها في سرعة تقضيها وقلة جدواها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحرّاث، أو الكافرون باللّه لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا ولأن المؤمن إذا رأى معجبا انتقل فكره إلى قدرة صانعة فأعجب بها والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجابا. ثم هاج أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاما ثم عظم أمور الآخرة بقوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ تنفيرا عن الانهماك في الدنيا وحثا على ما يوجب كرامة العقبى. ثم أكد ذلك بقوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (20) أي لمن أقبل عليها ولم يطلب الآخرة بها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعنى: لهم الأجر والنور الموعودان لهم فلا حاجة حينئذ إلى تقدير المثل. ولا يرد أيضا أن يقال: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت حتى يحتاج إلى دفعه؟ قوله: (ثم قرر ذلك) فإن محل الكاف في قوله: كَمَثَلِ النصب على أنه حال من الضمير في «لعب» لأنه بمعنى الوصف أو من معنى ما ذكر أي أنها لعب تشبه غيثا أو تثبت بهذه الصفات مشبهة غيثا. وإما الرفع على أنه خبر بعد خبر للحياة أو خبر لمبتدأ محذوف أي مثلها وصفتها العجيبة مثل صفة غيث ونبات الغيث ما ينبت بسببه. والمراد بالكفار ههنا إما الحراث لأنهم يكفرون البذر أي يغطونه ويسترونه بتراب الأرض، وإما الكفار باللّه تعالى.

قوله: (ثم يهيج) أي ييبس بعد زمان قريب يقال: هاج النبت هياجا أي يبس. قوله: (ثم عظم أمور الآخرة) معطوف على قوله: «حفر أمور الدنيا» . قوله تعالى: (فِي الْآخِرَةِ) خبر مقدم وما بعده مبتدأ والجملة معطوفة على جملة قوله: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ داخلة في حيز قوله: اعْلَمُوا أخبر اللّه تعالى بعد بيان أن الحياة العاجلة لا يتوصل بها إلى الفوز أن في الآخرة عذابا شديدا ومغفرة منه ورضوانا. وفيه إشارة إلى سبق رحمة اللّه تعالى غضبه من حيث إنه قابل العذاب بسبق المغفرة والرضوان الذي هو أعظم السعادات ولن يغلب عسر يسرين. ثم أكد ما ذكره من تحقير أمور الدنيا بقوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ وهو المتاع الذي يميل إليه الطبع أول ما رآه اغترارا بما لاح في ظاهره من جهة الحسن كالأواني المتخذة من الزجاج والحلي المموه بماء الذهب، فإن أخذه أحد اغترارا بما ظهر على ظاهره وأراد أن ينتفع به يتسارع إليه الهلاك ويتبين أنه زخرف لا قيمة له ولا رواج.

فكذلك الدنيا في حق من آثرها لنفس ذاتها وأراد أن يتمتع بها، فإن أفضل ما فيها من النعيم هي الحياة فمن صرفها إلى متابعة الهوى والحظوظ العاجلة صارت بمنزلة اللعب الذي يفعله الصبيان فإنهم يتعبون أنفسهم في ذلك غاية التعب ثم تنقضي تلك المتاعب عن قريب من غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت